علي سويدان / حتى نلتقي / مال عمّك... لا يهمّك!

تصغير
تكبير
| علي سويدان | كل التصرفات والقرارات التي نتخذها في حياتنا نابعة من قناعاتنا الفكرية، ولا مجال للشك أن أغلب قناعاتنا تتأثر بعامل الدين بشكل كبير، وهذا النمط من الأداء أشبه بسلاحٍ ذي حدَّين؛ ولأن ديننا الإسلامي جاء خاتماً للديانات السماوية فمن عناصر ديمومته ومن أسرار حفظِ اللهِ تعالى له أنه متين لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه، لذلك فقد رضيه اللهُ تعالى لنا دينا أبدياً حتى قيام الساعة، لكن تلك المتانة في الدين وعناصر بقائه الخالدة معه لا تضمن لنا أسلوبَ فهمنا، وليست هي التي تصنع طريقة تفكيرنا، أعني علينا أن نجتهد في ترتيب أفكارنا وتغيير نمط تفكيرنا ليصبح الدينُ مفيداً لنا، وإلاّ نكون قد ألحقنا الضرر بأنفسنا إن أقبلنا على التدين والتمسك بالدين في حال كانت أنماط تفكيرنا بدائية أو هوجاء غير منظمة أو عاطفية غير متعقلة! ألم يخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بأن: (خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا). يعني إن كنا غير خيّرين ولا نفقه الحقائق ولا نميز بين الصحيح والأصح ولا نتقن فهم فقه الأولويات في شؤون حياتنا فكيف نصبح من الخيرين في الإسلام؟ أخبروني بالله عليكم، أليس الماء الطهور طاهرا في نفسه وهو أيضاً مُطهِّرٌ لغيره؟ بلى، طيب إن كان الماء نجساً أو فاسداً أيمكننا أن نطهر فيه الأبدان والأشياء؟ بالتأكيد: لا، الإنسان الذي يفتقد أساسيات الفهم السليم في التفكير وتسلسل الأفكار ولا يجيد ترتيب الأولويات أيمكنه أن يكون عنصراً أو فرداً ناجحاً في مجتمعه؟ الجواب: لا، وكذلك هذا الفرد الفاقد لأساسيات الفهم السليم والمتجرد من تمييز الأولويات في حياته هل يمكنه أن يُصوِّرَ الإسلامَ ويمارسه كما ينبغي أو يُصدر فتاوى دينية؟ الجواب: لا، إذا كيف يمكننا تصحيح شؤون حياتنا أو تقديم الدين للآخرين ونحن وعلماؤنا معنا - بعيداً عن التعميم - نفتقد أساسياتٍ منطقيةً يرتكز عليها أسلوب التفكير وأنماط فهمنا للدين؛ لذلك ظهرت هذه الأيام فتاوى الدماء والأشلاء باسم الدين، وما هي من الدين إنما هي من الرواسب النفسية والبيئية التي حملناها في ذهننا وأقبلنا على الدين ونحن نحملُهما وعرضناها على الناس والعالَم باسم الدين، هنا تظهر متانة هذا الدين والأثر السلبي الذي قد يعود على المتدين إن أقبل على الدين برواسب من التشدد أو التسيب، ألم نسمع قول الله تعالى في سورة الإسراء: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارة)؟ أيْ القرآن يُلحق الخسارة بالظالمين وبمن أقبل عليه بهواه، لذلك كان من الملح تصحيح نمط تفكيرنا قبل التشبث بجزئية من الدين والتعصب من خلالها، ويوضح ذلك: ما جاء في الصحيحين عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَال: (إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا...)، بعد إدراك مكانة الدين إن نحن صححنا أصول تفكيرنا فسوف ينعكس تأثير فهمنا المتزن ومنطقيات نظرتنا للأمور والأحداث على تديُّننا وعلى أعمالنا الخاصة وعلى علاقتنا مع الناس ومع الدولة وعلى طرق كسبنا وجهات إنفاقنا للمال.

حين تترتب طريقة اتخاذنا للقرار الفردي والجماعي سنفكر ألف مرة قبل أن نسافر للجهاد في أفغانستان بينما الأخطبوط الإسرائيلي يبتسم بل يقهقه علينا ونحن نصفق للثورات العربية، إن رتَّبنا أولوياتنا سوف نفكر ألف ألف مرة قبل أن ندعو لتجنيد اثني عشر ألف مقاتل لتحرير سورية بينما عقولنا ما زالت محتلة، إن تخلصنا من رواسب أنفسنا العالقة في صدورنا نفسياً وعقلياً واجتماعياً قبل أن نهجم على الدين لنتديَّن سوف نفكر مليون مرة قبل أن نغرف من المال لنوزِّعَهُ يميناً وشمالاً!

لبنان في حربه الأهلية في القرن الماضي كان لكل زمرة من العرب يدٌ فيه والكل يضع ماله ورجاله فيه فاقْتَتَلَ العربُ بل العالَمُ في ساحاتِه، نحن العرب قتلْنا لبنانَ حين لمعتْ دُرَّتُهُ! وعُدنا لنُعمرَه ونستثمر فيه بعد أن كسرنا شوكةَ أهله من أصحاب الأموال فيه! ألم تكن الكويتُ عروس الخليج وقبلة العرب في الحرية واعتدال الدين ومنارة للثقافة ومحضناً للقضية الفلسطينية لذلك كان ذاك الغزو الغاشم؟ ألم تكن سورية قبل الأزمة فيها مثالاً للبناء الاقتصادي المرتبط بالوطنية لا بالخارج وباباً للعرب من أجل الاستثمار والسياحة ومحضناً لفصائل المقاومة، والباب الأخير الذي ترغب إسرائيل في كسره؟ ولا أخاف على سورية ففي حديث صحيح روى أبو يعلى في مسنده والإمام أحمد في مسنده والطبراني في معجمه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أهل الشام سوط الله في أرضه، يضرب به من شاء من عباده، ولن يظهر منافقو الشام على مؤمنيها، وحرام على منافقيها أن يموتوا إلا هماً وغماً وغيظاً).

نحن هدمنا لبنان في حربه الأهلية بيدٍ وعدنا نبنيه بيد أخرى، نحن ذبحنا سورية من الوريد إلى الوريد وجئنا نتحدث عن السلام فيها، المال سيداتي آنساتي سادتي يصنع الكثير، ولكنه مرتبط بأسلوب تفكيرنا، واللهِ لو هدمنا سور الصين العظيم نستطيع بناءه مرة أخرى، لكن قبل كل هذا عقولنا المهدومة تحتاج إعادة بناء قبل أن نُقبلَ على الدين أو نتحدث عن المال!

 

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي