قلم احمر / أحترم... نعال أمــي
ولا احب لدي من عقل أمي وسلوكها معي منذ وعيت على هذه الدنيا،ضعفها وحده جعلني قوية... وأصبحت بفضلها صاحبة العصمة في غالبية قرارات حياتي، فكلتانا حتى اليوم لا نتفق على أي رأيّ، هي تراني كائن «مسكين».. خطفه ابليس منذ ليلة ولادته في احد ليالي الشتاء الباردة في الكويت بتاريخ 22/11.. الرياح اللاسعة، ربما.. او الامطار الشديدة الهطول.. ربما، غافلوها وخطفوا رضيعتها،... لذا فكل ماجاء بعد ذلك في ممارساتها «التربوية» الراقية معي هو لطرد ابليس من جنة... جسدي!
تعبت معي هذه الغالية، واذكر انني كنت ومازلت أنظر اليها بأمومة عالية جدا وبقدر كبير من التسامح ورثته من احبتي المصريين في بيتنا، لكن قرارات حياتي كانت لي.
منذ بدء أول... «أوووواااااء» في حياتي، لم تكن جيناتي الوراثية تؤمن بالانسان المرسوم بمسطرة وقلم الاخرين، هكذا تنجب الامهات عددا من الاطفال وكل واحد منهم له شخصية مختلفة عن الاخرى، لا بد ان احدهم يكون معجونا بدم العفاريت، لاتفيد معه التربية الشرقية الصارمة، ولا التزمت وأساليب الارهاب التربوي في بيتنا،لا تنفع معه الممنوعات الكثيرة،ولا الخطوط الحمراء، وكنت انا المخطوفة من ابليس شكلي انثوي وفعلي صبياني «ما مرت عليه الانوثة» فجأة وانا ابنة السابعة يراني أبي اطال الله في عمره، فوق سور المنزل العالي جدا.. وكأن الارض على اتساعها لم تعد تكفيني،يندهش كيف تسلقت « قردته» هذا السور، ردة فعله كانت ضحكة من قلبه الطيب، ونصيحة مجانية بالطريق «خلي بالك.. لا تتعورين».
اختي الكبيرة رباب كثيرا ما اصطادتني وانا اتسلق أعلى شجرة الكنار «النبق» ثم حين أصل الى أضعف مواقعها فوق فووق، أخفي وجهي بكلتا يدي، ثم اترك جسدي ليهبط الى الارض، خدوش كثيرة وجروح في الجسد ودماء تسيل بسبب اشواك الشجرة القاسية، ولا فائدة مني... كنت طفلة «هايبر» كثيرة الحركة حتى في الفصل الدراسي، وملاحظات معلماتي بكثرة الحركة ما زالت موجودة في شهادات طفولتي، ولو كنا في عالم متحضر يهتم بأجياله ولا يعتبرهم سمك سردين معلب، لعرفت وزارة التربية والجهات المعنية بالطفولة والشباب في امتصاص طاقتي بما يفيدني ويفيد هذا الوطن اللي متعبنا وياه.
كل محاولات ست الحبايب امي في تدجيني لم تفد معي ياعيني عليها،حتى انني أكثر شقاوة بكثير من أشقائي الذكور،تثنيني عن ركوب الدراجات الهوائية لانه لا يصلح للفتيات العذراوات «شخباري» او حتى لعب المصارعة الحرة مع الذكور، وضرب اولاد الجيران الاشقياء، ومن دون اي فائدة.
حاولت المسكينة توجيهي لالعاب البنات.. لعبت قليلا ووجدت إنها راكدة ومملة، عكس ألعاب الاولاد، لماذا لا تنطلق البنات ركضا في حيناّ ما الذي ينقصنا. انا التى لا تؤمن منذ صغري بأن هناك اختلافا بين البنات والاولاد في طفولتنا.
في سن الخامسة عشرة وهو امتداد لاكتشافات الطفولة، رأيت في احدى المجلات الملونة، شابة جميلة يافعة على سطح يخت عملاق وحولها عدد من «مزايين الابل.. هاها « أقصد من الرجال، وهي تدخن نوعا من انواع السجائر، حسنا.. بلا هاليخت الذي لا أملكه، لكني استطيع امتلاك اصبع سجائر كالتي تدخنها هذه الشمحوطة الضاحكة، ربما الاعلان يضرب على وتر الانوثة في اجواء بها رجال ونساء اخريات، فلماذا لا امتلك ذلك في خيالي.. ماذا كانت ردة فعل ست الحبايب أمي.. انه واااااو.
هي في صالون البيت تقرأ في كتاب ديني، وانا جالسة قبالتها أطلي اظافري باللون الأحمر، مثل بنت... اليخت،وكنت قد استلفت علبة السجائر من احد معارفي من الكبار، وبرشاقة سحبت الشريط اللاصق بورق السلوفان الشفاف، كنت سعيدة وأتمتع بالفتح، وبلذة الحلم تناولت عبر اصابعي الدقيقة وبرقة شديدة سيجارة بيضاء رشيقة وطويلة، ووضعتها بين شفتي، وبعود كبريت اشعلت ثقابه، وبدأت بمج أول سيجارة بحياتي.. وبدأت بالسرحان في سحب خيالي، آآآآآه لو شويه حلوين مرحين بس فوق يخت فخم في وسط البحر.. ياسلام أكيد الدنيا ستحلو اكثر.
أمي التى صعقت لمنظري بعد صعود الدخان المتوالي في فضاء الصالون، لم تجد حيلة في الحوار مع سنوات مراهقتي، فاستعانت باسلوب تربوي مذهل لم نقرأ عنه حتى اليوم في أدبيات علوم التربية. استعانت الوالدة -اطال الله في عمرها- بأسلحة الدمار الشامل المهين لي، ومن موقعها أخذت نعالا،.. لا أدري من اين أتت به،وقذفتني به، فوقع النعال في الطريق بين أصابعي حاملة السيجارة وبين شفتيّ... ياللهول هخدافة ففظيعة، هل هذا سلوك تربوي مع مراهقة عصية على.. الطاعة!!
جن جنوني، تحجرت الدموع في عيني، ومنعتها من ان تهبط على خدود الذلّ، أخذت علبة السجائر وركضت الى حمام البيت، اقفلت بابه باحكام، وبدأت أدخن بجنون... نصف سيجارة وأطفئها في حوض الاغتسال، ودموع عينيّ تبكي الاهانة تسترسل كمطر تشرين (شتاء نوفمبر) وكأني خزنتهم منذ يوم مولدي، ادخن سيجارة اخرى وثالثة ورابعة وعاشرة اكملها حتى يحترق الفلتر الحارق لحنجرتي... ينتابني سعال متواصل ولا اتوقف، تطرق أمي باب الحمام بعنف، استكمل حرق سجائري ونفسي، أمجها وأطفئها في البانيو وعلى كل أرضية الحمام... كنت انتحب كيتيم ضاع عن امه في وسط السوق، أبكي دون صوت لهدر كبريائي المطعون بنعال... أمي!
عندما كبرت قليلا ألقتني صدفة القدر على عالم الصحافة، ذهبت في عطلتي المدرسية في الثانوية العامة لأعتمد على نفسي في رزقي، ذهبت بقدمي لعالم متغير، وبدأت أكتب مقالة في ذلك العمر الصغير الذي لم يقبض بعد على مفاتيح عالمه، وكانت المجلة فرحة بي وتنشر صورتي مع مقالي البائس، والدتي اعتبرت ان عمل فتاة كويتية بالصحافة أشبه بالعمل في ملهى، عار ان تعمل ابنتهم في مجال فاضح، تنتظرني على الرصيف الموازي لباب بيتنا، ومستعينة بسلاح الكلاشينكوف المدمر.. النعال الفتاك ! ياده النعال اللي لاحقتني في كل مرحلة!
لم تكن أمي الا امرأة وحيدة بقيم تقليدية صبت في قالب آلاف القيم الاجتماعية المتحفظة، ولان المجتمع يستأنس لانصياعها فهي لم تجد مشكلات المواجهات وما تحتاج اليه من ضرائب كما تفعل ابنتها.. بنت ابليس ! رأت النقد اللاذع ضدي من سيدات مجتمعها وهن يسخرن من خروج ابنتها عن طاعة الوليّ، تعمل في «ملاهي النهار»، لم تكن المسكينة مع ضعفها قادرة على مواجهة شراسة المجتمع الحريمي والذي أعتبره بحسب وجهه نظري الحارس الامين على كافة أشكال التخلف الاجتماعي والنفسي وهو اول طاعن قاتل لبناتهن تحديدا.
لم تكن أمي تعلم إن كل ضربة نعال مصوب نحوي والذي كنت اهرب منه حامية جسدي وعقليتي ونفسيتي المهانة،إن نعالها الحريمي الجميل دفعني دائما خطوة الى الأمام. وفي كل خطوة جديدة اكتشف عالما جديدا يبهرني،فأنداح به، يكبر عقلي ويوسع مداركي، ومازلت أدين باستمراريتي في تدخين السجائر وعملي في الصحافة حتى اليوم لذلك النعال الذي جعل الهروب منه.. كضبّ بريّ يهرب من.. قاتليه !
احتراماتي لنعال أمي، الذي لم يعرف كيف يمتص نهم فتاة ترغب بيديها وعينيها وحواسها اكتشاف العالم المحيط بها،ولا تريد الاعتماد على مقولات مكروره، وسابقة قالها الأولون وتركوها لنا، فتحياتي لنعال لم يهزمني،والذي جعل كل طاقات تحفيزي تقف في مواجهته.. فعلمني حرفا جديدا وكلمة أكتبها، وظهرت بي شخصية لم أكن أحلــم بها لو انني فقط كنت رضخت لانكسارات امي لشخصيتي.. لو فقط.. خفت ورهنت نفسي وموهبتى الى أدبيات.. نعالها !
مزااااج / لا تنتظر الإذن مني
فبعض النساء يا سيدي يعشقن الاقتحام
لا تستأذن.. قربني منك واخطفني، القط عسل الفراولة.. أذبني بك.. لا أريد أن أراني.
فإن ما بي من لهب النجوم يكفيني الدوران حول الارض سبع مرات.. لا تطوح عقلي بجمّ أدبك، إن العاشقات مثلي يحببن مفاجآت الذهول في كسر الابواب بقدمك
إني انتفض صبرا وحنينا لرجل أحبه يقبلني دون الحصول على.. إذن دخول من.. سلطات حكمي المحلي. أريدك ساخنا حيا كالدم.. لأحسك اكثر
أرتعش بوجدي لصلابة جسد قوي مثل بهائك و... جسور الاقتحام
لا تستأذن في غزوي يا جاهل.
فالكثير من الادب يميت قلوب النساء إن ناري... لموقدة لك
فماذا تنتظر يا أجبن الرجال.. قــــم... فاستقم... واقتحــــم
تكتبها: ليلى أحمد
www.alrai media.com