الدليل الفقهي
مساحة خصصناها للتواصل مع قراء «الراي» الاعزاء، نقدم لهم من خلالها الاجوبة الشافية على ما يعن لهم من اسئلة حول امور وقضايا تحتاج إلى بيان الحكم الشرعي فيها. يجيب عن الاسئلة فضيلة الشيخ الدكتور عبدالرؤوف الكمالي استاذ الفقه في كلية التربية الاساسية.
وللتواصل ارسلوا بأسئلتكم عبر ايميل الجريدة
www.alraimedia.com
او فاكس رقم (24815921).
صلاة المسافر
السؤال: ما المسافة التي اذا قطعها الشخص يكون مسافرا؟ ومن أين يبدأ من يريد السفر بقصر الصلاة (وهل له أن يقصر من المطار مثلا)؟ وكم المدة التي يجوز للمسافر أن يقصر فيها الصلاة؟
الجواب: اولا: مسألة مسافة السفر اختلف العلماء فيها اختلافا كثيرا، فقال جمهور الائمة- مالك والشافعي وأحمد-: هي مرحلتان بسير الابل المحملة بالاثقال على المعتاد الأثقال، والمرحلة عند الفقهاء: تساوي مسيرة يوم او ليلة بما ذكر، وهو ما قدر بـ (81) كم تقريبا، وقال ابو حنيفة: ثلاث مراحل. وقال الاوزاعي: مرحلة واحدة.
وسبب هذا الاختلاف: اختلاف الاحاديث الواردة في المسافة التي قصر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه الكرام رضي الله عنهم، مع عدم ورود تحديد شرعي صريح لمسافة القصر، ففي «مسند أحمد» و«سنن البيهقي»- والمرفوع منه إلى النبي صلى الله عليه وسلم في «صحيح مسلم»- عن يحيى بن يزيد قال: سألت انسا عن قصر الصلاة وكنت اخرج إلى الكوفة - يعني من البصرة- فاصلي ركعتين حتى ارجع، فقال انس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا خرج مسيرة ثلاثة اميال او ثلاثة فراسخ (شك الراوي، وهو شعبة) صلى ركعتين.
وصح عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما انهما كانا يقصران ويفطران في اربعة برد (اي: ما يساوي مسيرة مرحلتين، وبه اخذ الجمهور).
وثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما انه قال: «لو خرجت ميلا قصرت الصلاة» ذكره الحافظ ابن حجر وصححه.
وروى ابن ابي شيبة عن ابن عمر- ايضا- انه قال: اني لأسافر الساعة من النهار واقصر» وصححه الحافظ ابن حجر ايضا.
فلهذا ذهب جماعة من العلماء إلى انه ليس للسفر مسافة محددة، وانما كل ما كان سفرا في عرف الناس، فانه يجوز فيه القصر والفطر، لان القاعدة الشرعية: أ. ما لم يكن له حد في الشرع ولا في اللغة، فانه يرجع فيه إلى العرف.
وممن ذهب إلى هذا القول: الظاهرية وابن قدامة وشيخ الاسلام ابن تيمية وابن القيم.
قال ابن قدامة- رحمه الله تعالى- في «المغني» (3/109): «والحجة مع من اباح القصر لكل مسافر...» ا هـ.
وقال ابن القيم- رحمه الله-: «ولم يحد صلى الله عليه وسلم لأمته مسافة محدودة للقصر والفطر، بل اطلق لهم ذلك في مطلق السفر والضرب في الارض، كما اطلق لهم التيمم في كل سفر، واما ما يروى من التحديد باليوم واليومين او الثلاثة، فلم يصح عنه منها شيء البتة، والله أعلم» اهـ.
ثانيا: وأما المكان الذي يجوز للمسافر ان يبدأ منه بقصر الصلاة، فهو مجاوزته لبيوت قريته، فقد قال انس رضي الله عنه- كما في الصحيحين-: «صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة اربعا، وبذي الحليفة ركعتين». وقد قال بهذا عامة اهل العلم، ومنهم من رخص من قبل ذلك، وقال ابن المنذر- رحمه الله-: «اجمع كل من نحفظ عنه من اهل العلم، ان للذي يريد السفر، ان بقصر الصلاة اذا خرج من بيوت القرية التي يخرج منها» اهـ.
وبناء على ما سبق، فانه يمكن القول: انه يجوز القصر من المطار ما دام انه قد فارق بيوت منطقته، لكن بشرط ان يكون قد فارقها قبل دخول وقت الصلاة، والا فانه يصليها تامة، لانها تكون قد وجبت عليه كذلك.
وقد قال الامام المرداوي الحنبلي في كتابه «الانصاف» (2/321): «قال ابو المعالي: لو برزوا بمكان لقصد الاجتماع، ثم بعد اجتماعهم ينشئون السفر من ذلك المكان، فلا قصر حتى يفارقوه. قال في (الفروع): وظاهر كلامهم: يقصرون. وهو متجه» اهـ.
فالامر على هذا الخلاف، والاظهر جواز القصر وهو ظاهر كلام الحنابلة، كما اشار اليه صاحب «الفروع» وهو ابن مفلح.
ثالثا: واما المدة التي يجوز للمسافر ان يقصر فيها الصلاة، فايضا وقع فيها خلاف بين الفقهاء على اقوال كثيرة، فمنها: ما ذهب اليه جمهور العلماء، وهو: انه ان نوى اقامة اربعة ايام، أتم الصلاة، على تفاصيل للجمهور في ذلك، وقال الحنيفة والثوري: ان نوي اقامة خمسة عشر يوما، اتم الصلاة.
وذهب الامام ابن القيم- رحمه الله تعالى- إلى انه لا يتحدد ذلك بعدد من الايام، بل متى ما كان مسافرا، فانه يقصر الصلاة، واستدل على ذلك بادلة متعددة، منها: ما ثبت ان النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة، مكث تسعة عشر يوما يقصر الصلاة، ولهذا قال ابن عباس- كما رواه البخاري في «صحيحه»-: «اقام النبي صلى الله عليه وسلم تسعة عشر يقصر، فنحن اذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وان زدنا اتممنا»، ولما حج صلى الله عليه وسلم حجة الوداع مكث في مكة عشرة ايام وهو يقصر الصلاة، وروي عنه صلى الله عليه وسلم انه في تبوك اقام عشرين يوما يقصر الصلاة. وثبت ان الصحابة رضي الله عنهم لما كانوا في (اذربيجان) وقد منعتهم الثلوج من الرجوع، مكثوا اربعة اشهر يقصرون الصلاة، هذا مع عدم وجود ليل صريح يقضي باعتبار المدة باربعة أيام، واطلاق لفظ السفر في النصوص الشرعية يقضي بجواز القصر ولو لاكثر من ذلك، ولجمهور العلماء ردود وتأويلات لهذه الادلة، ولكن الظاهر يقوي ما ذهب اليه الامام ابن القيم، لا سيما مع ما فيه من التيسير للمسلمين، لا سيما حين يسافرون إلى بلاد الغرب ومعهم اهلهم ونساؤهم.
لكن يجدر التنبية على ان الطلبة الذين يدرسون في الخارج لا يدخلون في هذا الحكم، لانهم قد اصبحوا- بمدتهم الطويلة، واستقرارهم هناك- في حكم المقيم الذي يجب عليه ان يتم الصلاة وألا يفطر في رمضان.
ومن اراد الاخذ بالاحوط، فقول الجمهور- كما ذكرت-: انه ان نوى اقامة اربعة ايام اتم الصلاة، ولم يجز له الفطر.
واوصي اخواني المسلمين في الختام، ألا ينكر بعضهم على بعض في مثل هذه المسائل، وان تتسع صدورهم لبعض، فان هذه المسائل مما يسوغ فيها الخلاف، والامر فيها واسع والحمد لله، وليعمل المسلم بقول من يطمئن له قلبه، وكما قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: «استفت نفسك ولو افتاك المفتون»، والله تعالى اعلم.
وللتواصل ارسلوا بأسئلتكم عبر ايميل الجريدة
www.alraimedia.com
او فاكس رقم (24815921).
صلاة المسافر
السؤال: ما المسافة التي اذا قطعها الشخص يكون مسافرا؟ ومن أين يبدأ من يريد السفر بقصر الصلاة (وهل له أن يقصر من المطار مثلا)؟ وكم المدة التي يجوز للمسافر أن يقصر فيها الصلاة؟
الجواب: اولا: مسألة مسافة السفر اختلف العلماء فيها اختلافا كثيرا، فقال جمهور الائمة- مالك والشافعي وأحمد-: هي مرحلتان بسير الابل المحملة بالاثقال على المعتاد الأثقال، والمرحلة عند الفقهاء: تساوي مسيرة يوم او ليلة بما ذكر، وهو ما قدر بـ (81) كم تقريبا، وقال ابو حنيفة: ثلاث مراحل. وقال الاوزاعي: مرحلة واحدة.
وسبب هذا الاختلاف: اختلاف الاحاديث الواردة في المسافة التي قصر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه الكرام رضي الله عنهم، مع عدم ورود تحديد شرعي صريح لمسافة القصر، ففي «مسند أحمد» و«سنن البيهقي»- والمرفوع منه إلى النبي صلى الله عليه وسلم في «صحيح مسلم»- عن يحيى بن يزيد قال: سألت انسا عن قصر الصلاة وكنت اخرج إلى الكوفة - يعني من البصرة- فاصلي ركعتين حتى ارجع، فقال انس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا خرج مسيرة ثلاثة اميال او ثلاثة فراسخ (شك الراوي، وهو شعبة) صلى ركعتين.
وصح عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما انهما كانا يقصران ويفطران في اربعة برد (اي: ما يساوي مسيرة مرحلتين، وبه اخذ الجمهور).
وثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما انه قال: «لو خرجت ميلا قصرت الصلاة» ذكره الحافظ ابن حجر وصححه.
وروى ابن ابي شيبة عن ابن عمر- ايضا- انه قال: اني لأسافر الساعة من النهار واقصر» وصححه الحافظ ابن حجر ايضا.
فلهذا ذهب جماعة من العلماء إلى انه ليس للسفر مسافة محددة، وانما كل ما كان سفرا في عرف الناس، فانه يجوز فيه القصر والفطر، لان القاعدة الشرعية: أ. ما لم يكن له حد في الشرع ولا في اللغة، فانه يرجع فيه إلى العرف.
وممن ذهب إلى هذا القول: الظاهرية وابن قدامة وشيخ الاسلام ابن تيمية وابن القيم.
قال ابن قدامة- رحمه الله تعالى- في «المغني» (3/109): «والحجة مع من اباح القصر لكل مسافر...» ا هـ.
وقال ابن القيم- رحمه الله-: «ولم يحد صلى الله عليه وسلم لأمته مسافة محدودة للقصر والفطر، بل اطلق لهم ذلك في مطلق السفر والضرب في الارض، كما اطلق لهم التيمم في كل سفر، واما ما يروى من التحديد باليوم واليومين او الثلاثة، فلم يصح عنه منها شيء البتة، والله أعلم» اهـ.
ثانيا: وأما المكان الذي يجوز للمسافر ان يبدأ منه بقصر الصلاة، فهو مجاوزته لبيوت قريته، فقد قال انس رضي الله عنه- كما في الصحيحين-: «صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة اربعا، وبذي الحليفة ركعتين». وقد قال بهذا عامة اهل العلم، ومنهم من رخص من قبل ذلك، وقال ابن المنذر- رحمه الله-: «اجمع كل من نحفظ عنه من اهل العلم، ان للذي يريد السفر، ان بقصر الصلاة اذا خرج من بيوت القرية التي يخرج منها» اهـ.
وبناء على ما سبق، فانه يمكن القول: انه يجوز القصر من المطار ما دام انه قد فارق بيوت منطقته، لكن بشرط ان يكون قد فارقها قبل دخول وقت الصلاة، والا فانه يصليها تامة، لانها تكون قد وجبت عليه كذلك.
وقد قال الامام المرداوي الحنبلي في كتابه «الانصاف» (2/321): «قال ابو المعالي: لو برزوا بمكان لقصد الاجتماع، ثم بعد اجتماعهم ينشئون السفر من ذلك المكان، فلا قصر حتى يفارقوه. قال في (الفروع): وظاهر كلامهم: يقصرون. وهو متجه» اهـ.
فالامر على هذا الخلاف، والاظهر جواز القصر وهو ظاهر كلام الحنابلة، كما اشار اليه صاحب «الفروع» وهو ابن مفلح.
ثالثا: واما المدة التي يجوز للمسافر ان يقصر فيها الصلاة، فايضا وقع فيها خلاف بين الفقهاء على اقوال كثيرة، فمنها: ما ذهب اليه جمهور العلماء، وهو: انه ان نوى اقامة اربعة ايام، أتم الصلاة، على تفاصيل للجمهور في ذلك، وقال الحنيفة والثوري: ان نوي اقامة خمسة عشر يوما، اتم الصلاة.
وذهب الامام ابن القيم- رحمه الله تعالى- إلى انه لا يتحدد ذلك بعدد من الايام، بل متى ما كان مسافرا، فانه يقصر الصلاة، واستدل على ذلك بادلة متعددة، منها: ما ثبت ان النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة، مكث تسعة عشر يوما يقصر الصلاة، ولهذا قال ابن عباس- كما رواه البخاري في «صحيحه»-: «اقام النبي صلى الله عليه وسلم تسعة عشر يقصر، فنحن اذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وان زدنا اتممنا»، ولما حج صلى الله عليه وسلم حجة الوداع مكث في مكة عشرة ايام وهو يقصر الصلاة، وروي عنه صلى الله عليه وسلم انه في تبوك اقام عشرين يوما يقصر الصلاة. وثبت ان الصحابة رضي الله عنهم لما كانوا في (اذربيجان) وقد منعتهم الثلوج من الرجوع، مكثوا اربعة اشهر يقصرون الصلاة، هذا مع عدم وجود ليل صريح يقضي باعتبار المدة باربعة أيام، واطلاق لفظ السفر في النصوص الشرعية يقضي بجواز القصر ولو لاكثر من ذلك، ولجمهور العلماء ردود وتأويلات لهذه الادلة، ولكن الظاهر يقوي ما ذهب اليه الامام ابن القيم، لا سيما مع ما فيه من التيسير للمسلمين، لا سيما حين يسافرون إلى بلاد الغرب ومعهم اهلهم ونساؤهم.
لكن يجدر التنبية على ان الطلبة الذين يدرسون في الخارج لا يدخلون في هذا الحكم، لانهم قد اصبحوا- بمدتهم الطويلة، واستقرارهم هناك- في حكم المقيم الذي يجب عليه ان يتم الصلاة وألا يفطر في رمضان.
ومن اراد الاخذ بالاحوط، فقول الجمهور- كما ذكرت-: انه ان نوى اقامة اربعة ايام اتم الصلاة، ولم يجز له الفطر.
واوصي اخواني المسلمين في الختام، ألا ينكر بعضهم على بعض في مثل هذه المسائل، وان تتسع صدورهم لبعض، فان هذه المسائل مما يسوغ فيها الخلاف، والامر فيها واسع والحمد لله، وليعمل المسلم بقول من يطمئن له قلبه، وكما قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: «استفت نفسك ولو افتاك المفتون»، والله تعالى اعلم.