إيمانيات / زوجة الصياد!

تصغير
تكبير
| جاد الله فرحات |

مما قرأناه في كتب المطالعة أن صياداً فقيراً كان يسكن في كوخ على شاطئ البحر فخرج يوماً يبحث عن رزقه فألقى بشبكته في الماء وبدلا من أن تخرج له سمكة خرجت له جنية فقالت أيها الصياد لقد أتاك السعد حتى باب بيتك فاطلب مني ما تشاء وبإذن الله يكون حاضرا فقال لها أريد قصرا بدلا من هذا الكوخ الذي نسكنه ونفترش الأرض ونلتحف السماء فقالت له: ارجع الى كوخك وستجده قصرا بإذن الله، فرجع ووجد زوجته التي تركها في الكوخ تسكن في قصر مثل قصور الملوك وحكى حكايته لزوجته التي قالت له: ارجع اليها واطلب منها فراشا وخدما وحشما وذهبا وجواهر وأموالا و...

خرج الرجل وطلب من الجنية ما قالت له زوجته، فقالت الجنية: سمعا وطاعة، ارجع وستجد ما طلبته بإذن الله، عاد الرجل ولكن زوجته قالت له: اريد ان أكون ملكة متوجة في الأرض مثل الملكات التي نسمع عنهن وان يكون لي عربة من ذهب تجرها الخيول ويحيط بها الحراس والغلمان والجواري. وذهب الرجل وعاد وقد أجيب طلبها، المهم خرجت هذه المرأة على رعيتها في زينتها والناس يقولون كما قال قوم قارون (يا ليت لنا مثل ما اوتيت هذه الملكة!!) ولكن السماء أبرقت وأرعدت وأمطرت مطرا مدرارا. فغضبت زوجة الصياد غضبا شديدا وقالت لزوجها: اريد ان اكون ملكة في الارض وملكة في السماء، اريد ان احكم في الارض وفي السماء، وذهب الرجل الى الجنية فقال لها ما طلبت زوجته فقالت الجنية: أيها الرجل الطيب ان زوجتك لم تقنع ولن تقنع. ارجع اليها فستجدها في حالتها الأولى.

رجع الرجل الى قصره فوجد كوخه الصغير من القش ووجد زوجته فيه بلا فرش ولا غطاء، فقال قولته المشهورة: «أهكذا تعيشين في العراء بلا فرش ولا غطاء يا ملكة الأرض والسماء!!».

والآن بعد ان قرأت هذه القصة هل فكرت في من تكون زوجة الصياد انها النفس الامارة بالسوء التي لا من قليل تقنع ولا بكثير تشبع.

«لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا ولا يملأ عين ابن آدم الا التراب ويتوب الله على من تاب».

هذه النفس أمرنا بالاستعاذة من شرورها:

«ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا».

والنفس كالطفل إن تهمله شب على

حب الرضاع وان تفطمه ينفطم

والنفس راغبة إذا رغبتها

وإذا ترد إلى قليل تقنع

ورحم الله من قال:

عجبا لها تهوى الذي تهوى به

دون الذي تعلو به في ذاتها

تنأى عن الاصلاح طول حياتها

وتواصل الإقبال في شهواتها

تدعى لتأدية الصلاة وإنما

شغلت بغير الله حين صلاتها

ورحم الله من قال:

وخالف النفس والشيطان واعصهما

وإن هما محضاك النصح فاتهم

ولا تطع منهما خصماً ولا حكما

فأنت تعرف كيد الخصم والحكم

كم حسنت لذة للمرء قاتله

من حيث لم يدر أن السم في الدسم

من لي برد جماح من غوايتها

كما يرد جماح الخيل باللجم

وصدق الله العظيم: (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى) النازعات 40، 41.


*امام وخطيب

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي