هناك ضغوط شديدة على الاردن. هذه الضغوط لم تمنع المملكة من استضافة «المنتدى الاقتصادي العالمي للشرق الاوسط وشمال افريقيا» للمرّة السابعة منذ العام 2003. ترافق ذلك مع جهود اردنية لاطلاق عملية السلام شارك فيها وزير الخارجية الاميركي جون كيري ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية السيّد محمود عبّاس والرئيس الاسرائيلي شمعون بيريس.
كما في كلّ مرّة، كانت الضفة الاردنية من البحر الميت المكان الذي انعقدت فيه جلسات المنتدى، المعروف بمنتدى دافوس وذلك بين الرابع والعشرين والسادس والعشرين من أيّار- مايو الجاري.
تكمن أهمية القيادة الاردنية في أنها لا تتجاهل حجم الضغوط التي تتعرّض لها المملكة. على العكس من ذلك، هناك اعتراف بأزمة ضخمة مصدرها سورية. في الوقت الراهن، يشكّل اللاجئون السوريون نسبة عشرة في المئة من سكان الاردن. وفي حال استمر تدفق اللاجئين السوريين على المملكة، ستتضاعف هذه النسبة مرتين قبل نهاية السنة الحالية.
ليس سرّا أن الاردن لا تمتلك موارد طبيعية. على الرغم من ذلك، استطاعت التكيف مع النقص في مصادر الطاقة عن طريق رفع جزء من الدعم المخصص للمحروقات. يعترف بذلك مسؤول الشرق الاوسط في صندوق النقد الدولي السيد مسعود أحمد في ندوة عقدها على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي». كان أحمد، وهو باكستاني، بالغ الصراحة عندما تحدث عن المشاكل التي يعاني منها العالم العربي بدوله المنتجة للنفط والمستهلكة له. طرح، مستخدما لغة الارقام، مشكلة دعم المحروقات في كلّ الدول العربية وفي ايران مشيرا الى أن هذا الدعم الذي توفّره هذه الدول يكلّفها نحو 240 مليار دولار في العام. ويشكّل هذا الرقم نصف دعم دول العالم كلّه للمحروقات.
يتحدّث الملك عبدالله الثاني في البحر الميّت عن المستقبل بثقة وذلك من منطلق واضح بعيد كلّ البعد عن المبالغات. هذا المنطلق هو الرهان على الانسان الاردني من جهة والاعتراف بأن لا مفر من المضي في الاصلاحات السياسية والاقتصادية من جهة اخرى. ولذلك، يقول العاهل الاردني في خطاب افتتح به «المنتدى الاقتصادي العالمي» يوم السبت الماضي الذي صادف احتفال الاردن بعيد الاستقلال السابع والستين: «اننا نمضي تاركين وراءنا حقبة تاريخية من التحدي الاقتصادي اتسمت بتباطؤ الاقتصاد العالمي وبالاضطرابات الاقليمية والتعافي البطيء في الاقتصادات العالمية الكبرى. ولا تقتصر المهمة التي تواجهنا على تحقيق التعافي فقط، بل علينا تحفيز النمو من جديد. فالازمة الاقتصادية الأكثر الحاحا في منطقتنا، وهي البطالة بين الشباب، تتطلب منّا اتخاذ اجراءات عملية ومضاعفة جهود الاغاثة الفورية لتلبية الاحتياجات العاجلة ووضع استراتيجيات شاملة تحقق معدلات نمو مرتفعة لتوفير ملايين فرص العمل (للشباب) بالسرعة الممكنة».
خصّص «المنتدى الاقتصادي العالمي» جلسات عدة لمعالجة مشكلة توفير فرص عمل للشباب. ما لم يقله عبدالله الثاني أن الاردن، مثلها مثل كلّ دول المنطقة، تمرّ في مرحلة انتقالية. تتطلب هذه المرحلة الانتقال من دولة الرعاية الى دولة يعمل كلّ مواطنيها بكدّ من اجل تحقيق نموّ اقتصادي حقيقي بعيدا عن سياسات عفى عليها الزمن. تتمثّل هذه السياسات في قدرة الملك على الاتكال على المساعدات الخارجية لتغطية العجز في الموازنة وتوفير دعم ووظائف للمواطنين من ذوي الاصول الشرق اردنية في وجه خاص.
انتهت الايّام التي كان فيها الاردن يعتمد على النفط العراقي المدعوم وعلى الغاز المصري المتوافر باسعار دون اسعار السوق. بات «الاخوان المسلمين» في مصر يستخدمون الغاز من أجل الضغط على الاردن مستندين الى اجندة خاصة بهم. وباتت ايران تستغل اضطرار الاردن الى شراء النفط العراقي بأسعار السوق كي تعرض تسهيلات معيّنة، مرفوضة سلفا، في مجال النفط والغاز...لعلّ ذلك يساهم في تغيير الموقف الاردني مما يحصل في سورية.
اضافة الى ذلك، صارت المساعدات الخليجية تخضع لشروط معيّنة تأخذ في الاعتبار التطورات التي تشهدها المنطقة وما يدور داخل كلّ دولة من دول الخليج العربي حيث هناك تحديات خاصة بكلّ دولة.
يبدو أنّ مستقبل الاردن متوقف على القدرة على القيام بهذه النقلة النوعية التي تؤدي الى «النمو الشامل» الذي ركّز عليه العاهل الاردني غير مرّة في خطابه. فهذا «النمو الشامل» هو الذي يوفّر معنى للاصلاحات السياسية التي تستهدف «ارساء الاسس لحكومة برلمانية فاعلة قائمة على أساس حزبي يحميها دستورنا» على حد تعبير عبدالله الثاني.
في عمّان، كما في البحر الميت، هناك احساس بوقع الازمة الاقتصادية على الاردن ومدى عمقها. هناك حتى احساس بأن هذه الازمة يمكن أن تطيح كلّ الاصلاحات التي تحققت، بما في ذلك اجراء الانتخابات النيابية الاخيرة في كانون الثاني- يناير الماضي، وهي انتخابات تميزت بنسبة مشاركة كبيرة على الرغم من دعوة الاخوان المسلمين الى مقاطعتها.
ولكن هناك في الوقت ذاته رغبة قوية في تجاوز الازمة عن طريق توعية المواطن العادي الى مدى خطورتها بسبب ما يدور في المنطقة. لم يغب هذا الجانب عن خطاب عبدالله الثاني الذي قال ايضا: «لن نستطيع تسخير كامل موارد بلادنا لتحقيق حياة أفضل لشعوبنا، ما لم يتمّ التوصّل الى حلول للازمات الاقليمية».
بين الازمة الاقتصادية والازمات الاقليمية، تتحرّك الاردن. فالتركيز في «المنتدى الاقتصادي العالمي لم يكن على أهمية ايجاد فرص عمل للشبّان العرب فحسب، بل كان هناك ايضا اهتمام خاص بالقضية الفلسطينية التي صارت شبه منسية والتي كانت في الماضي القريب قضية العرب الاولى. حضر الى البحر الميّت رئيس السلطة الوطنية «ابو مازن» ووزير الخارجية الاميركي جون كيري ومسؤولون اسرائيليون بهدف الخروج بصيغة معقولة تعيد الحياة الى العملية السلمية.
هل تنجح رهانات الاردن في تمكين المملكة من تجاوز المرحلة الانتقالية بسلام؟ الكثير يعتمد على استيعاب المواطن الاردني لواقع أنّ مرحلة دولة الرعاية، التي تتكفّل بتقديم كلّ شيء له من دون حاجة الى العمل الجدّي، صارت من الماضي. الكثير يعتمد أيضا على ما يدور في سورية. لكنّ الشعور في عمّان وفي البحر الميّت أن الخطر الحقيقي في المستقبل القريب على لبنان الذي يبدو أن الحريق السوري امتدّ اليه، فيما لا يزال الاردن قادراً على احتوائه... ولو في المدى المنظور.
خيرالله خيرالله