من يتمعّن في منظر المسؤولين الفلسطينيين الذين ذهبوا إلى القاهرة للتفاوض في شأن التهدئة مع إسرائيل يصاب بحيرة، حتى لا نقول بالشفقة، على القضية الفلسطينية. ماذا جاء هؤلاء يفعلون في مصر؟ أليس بين الذين ذهبوا إلى القاهرة، للاستعانة بها من أجل التوصل إلى صيغة اتفاق مع إسرائيل... نعم مع إسرائيل، من يمتلك حدا أدنى من الشجاعة يسمح له بالاعتذار من مصر أوّلا بعد كل الشتائم التي وجهت إليها منذ نوفمبر من العام 1977، تاريخ الزيارة التي قام بها الرئيس الراحل أنور السادات إلى القدس حيث ألقى خطابا أمام الكنيست، كان بين هؤلاء من يسمون أنفسهم قياديين في «الجبهة الشعبية» أو «القيادة العامة» التابعة للأجهزة السورية مباشرة، أو «الجبهة الديموقراطية» التي عرفت التعاطي بشفافية تامة مع البنك البريطاني في وسط بيروت في العام 1976، بشهادة التحقيق الذي أجراه الأمن الموحد الفلسطيني الذي كان يشرف عليه صلاح خلف (أبو أياد) أحد القادة التاريخيين لـ «فتح» رحمه الله، هؤلاء لا يستحون من الذهاب إلى القاهرة في العام 2008. ربّما يفعلون ذلك لأنهم يدركون أن الذي استحى مات، كما يقول المثل العربي القديم.
يبدو أنه مطلوب من مصر حاليا بذل جهودها من أجل التوصل إلى اتفاق تهدئة بين الفلسطينيين وإسرائيل. المضحك – المبكي في الموضوع أن تنظيما مثل «الجهاد الإسلامي» والمعروف تماما أنه موال للنظام الإيراني بشكل تام، يصر على أن لديه شروطه من أجل التوصل إلى مثل هذه التهدئة مطالبا بأن تشمل الضفة الغربية أيضا، وكأنّ المطلوب عدم التوصل إلى تهدئة ووضع شروط تعجيزية في طريقها. أما «حماس» التي تسيطر على قطاع غزة بالحديد والنار والقمع اليومي للمواطن الفلسطيني، «حماس» التي تعتبر ذلك إنجازا، بل خطوة أولى على طريق تحرير فلسطين من البحر إلى النهر أو من النهر إلى البحر، لا فارق لديها، ذلك أنه يبدو أن همها محصور في أن تسمح الوساطة المصرية لها بإلحاق مزيد من الإذلال للشعب الفلسطيني، تفعل ذلك من منطلق أن همها الأول تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني وتحويله من مجتمع منتج إلى مجتمع يعيش على الصدقة والمساعدات الخارجية. إن التخلص من الاحتلال آخر هم لـ «حماس» التي لا تعي، لا هي ولا الذين ذهبوا إلى القاهرة، أن إسرائيل لا تريد تهدئة.
لا تكمن مشكلة الذين ذهبوا إلى القاهرة في أن رفع الحصار عن الشعب الفلسطيني المظلوم ليس أولوية الأولويات لديهم، لكن أنهم يريدون بكل بساطة تحقيق مكاسب سياسية على حساب العذابات الفلسطينية. على سبيل المثال وليس الحصر حاولت «حماس» أخيرا استغلال الحصار من أجل الإساءة إلى مصر متجاهلة أن لدى هذا البلد العربي، الذي كان أول من وقع معاهدة سلام مع إسرائيل في العام 1979 تحديدا، التزامات محددة وواضحة لا يستطيع الخروج منها. أرادت «حماس» بناء على التعليمات التي تلقتها من عاصمة عربية وأخرى غير عربية إحراج مصر وفشلت بذلك فشلا ذريعا وها هي تعود إلى مصر التي تنبهت أخيرا إلى مدى براعة اللعبة التي تمارسها الحركة الإسلامية التي تتحكم بغزة والمرتبطة ارتباطا وثيقا بـ «الأخوان المسلمين» في الداخل المصري.
المشهد الفلسطيني لا يريح سوى إسرائيل للأسف الشديد، تريحها الصواريخ التي تطلق من غزة نظرا إلى أنها تساعدها في تنفيذ استراتيجيتها الهادفة إلى تكريس الاحتلال لجزء من الضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية طبعا، وهي تستند في تنفيذها لهذه الاستراتيجية على أنه لا وجود لشريك فلسطيني في استطاعتها التفاوض معه. لذلك، تبذل إسرائيل كل ما تستطيع من أجل إضعاف السلطة الوطنية الفلسطينية، وتلتقي بذلك مع «حماس» ومع أولئك الذين ذهبوا إلى القاهرة سعيا إلى التهدئة... أولئك الذين كانوا إلى الأمس القريب يحتارون في كيفية الإساءة إلى مصر.
ما هو مؤسف أكثر من ذلك، أن العالم يقف موقف اللامبالاة من مأساة غزة وكأن القضية الفلسطينية صارت آخر همومه، تكفي مقارنة بين المرتبة التي كانت فيها القضية الفلسطينية في العام 2000 من جهة وبين ما هي عليه الآن للتأكد من مدى التدهور الذي لحق بها. في العام 2000، كان ياسر عرفات، رحمه الله، الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني يعقد قمة مع الرئيس الأميركي بيل كلينتون ورئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود باراك في كامب ديفيد من أجل التوصل إلى صيغة أقرب ما تكون إلى حل نهائي بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي. في العام 2008، لا يزال الرئيس الأميركي جورج بوش الابن يستقبل رئيس السلطة الوطنية السيد محمود عبّاس (أبو مازن) ولا يزال أبو مازن يعقد لقاءات بين الحين والآخر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت، لكن المشكلة صارت محصورة في فك الحصار عن غزة وادخال بعض الوقود إليها وكيفية تحقيق تهدئة في القطاع ... عن طريق مصر.
تكفي المقارنة بين صورة أيهود باراك يدفع ياسر عرفات إلى التفاوض في كامب ديفيد من جهة، وصورة الوفد الفلسطيني بأعضائه المترهلين الجالسين في ردهة فندق في القاهرة من جهة أخرى، للتحقق من مدى التراجع الفلسطيني في الأعوام الأخيرة، من يقارن بين الصورتين، صورة ياسر عرفات في كامب ديفيد، وصورة أعضاء الوفد الفلسطيني بوجوههم الكالحة في القاهرة، لا يستطيع إلا أن يتساءل: كم عاما تحتاج القضية الفلسطينية لتعود إلى الواجهة. ما الذي سيبقى عندئذ من الضفة الغربية التي ستكون موضوع المفاوضات بل لبها؟
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن