خيرالله خيرالله / الأكراد أقرب إلى الدولة من الفلسطينيين؟

تصغير
تكبير

المنطقة تتغير. التغيير يحصل في العمق. هناك اعادة رسم لخريطة الشرق الأوسط، ولكن، يبدو ألا مفرّ من انتظار سنوات طويلة قبل معرفة كيف سيعاد تشكيل المنطقة في ضوء الاجتياح الأميركي للعراق وإقامة نظام جديد لم تتحدد معالمه بعد. سيقوم هذا النظام الذي مازال يلفه الغموض استناداً إلى وجود «أكثرية شيعية» في البلد من جهة واعتماد مبدأ «الفيديرالية» من جهة أخرى. لا يغيب عن البال أن الشرق الأوسط في شكله الحالي بدأ يتشكل في العام 1916 من القرن الماضي مع التوصل إلى اتفاق سايكس - بيكو البريطاني - الفرنسي في لندن. ولم يقم العراق بحدوده الحالية إلا بعد انهيار الدولة العثمانية إثر انتهاء الحرب العالمية الأولى. والعراق بشكله الحالي وحدوده، أحد أعمدة النظام الإقليمي والخريطة السياسية للشرق الأوسط.

بين التوصل إلى اتفاق سايكس - بيكو وتفكك الإمبراطورية العثمانية، جاء وعد بلفور في العام 1917، لكن الإعلان عن قيام دولة إسرائيل التي زُرعت في الشرق الأوسط لم يأت ألا في العام 1948! ولذلك، لا يزال باكراً التكهن بشكل الخريطة السياسية للشرق الأوسط في ضوء الزلزال العراقي. هل يبقى البلد موحّداً، أم تنشأ كيانات جديدة؟ ما تأثير سيطرة الأحزاب الشيعية على العراق على التوازنات الإقليمية؟ هل تبقى القضية الفلسطينية في الأولويات العربية أم يطغى الحدث العراقي عليها، خصوصاً بعدما صار هناك انفلات للغرائز المذهبية على نحو لم تشهد المنطقة مثيلاً له وبعدما انتقل المحور الإيراني - السوري إلى الهجوم في غير مكان، خصوصاً في لبنان وفلسطين؟

كان لافتاً في الذكرى الخامسة للحرب الأميركية على العراق وسقوط النظام العائلي - البعثي، نظام المقابر الجماعية الذي أقامه صدّام حسين، الكلام الصادر عن أوساط أميركية معيّنة عن تحقيق إيجابيات ما. هناك من يتحدث عن الإيجابيات من منطلق أن الإدارة الأميركية نجحت في التوصل إلى أهدافها في منطقة عراقية محددة هي إقليم كردستان. يشير كتاب لكويل لورنس صدر حديثاً في الولايات المتحدة تحت عنوان «أمة غير مرئية»، إلى أن الأهداف الأميركية لم تتحقق في العراق وإنما تحققت في كردستان. هناك في كردستان استقرار وأزدهار وأمن وهناك ديموقراطية وهناك كيان شبه مستقل موال لأميركا و«على علاقة بإسرائيل». يخلص الكتاب إلى أن احتمال قيام دولة كردية مستقلة بات أمراً وارداً، خصوصاً أن نسبة اثنين بالمئة من أكراد العراق فقط تؤيد الارتباط بالعراق القديم والبقاء في أحضانه. ربما كان حلم إقامة دولة مستقلة السبب المباشر الذي دفع الحزبين الكرديين الكبيرين إلى الانضمام إلى المعارضة الشيعية في مرحلة ما قبل الحرب الأميركية وإصدار بيان يركز على أن العراق سيكون «فيديرالياً». كانت تلك الخطوة الأولى نحو إقامة كيان كردي شبه مستقل لديه علمه ورئيسه وحكومته وجيشه وشرطته وقوانينه.

تكمن المفارقة في أن الأكراد على العكس من الفلسطينيين، استفادوا، أقله إلى الآن، من تجارب الماضي القريب، خصوصاً من المواجهات المسلحة بين الحزبين الكبيرين منتصف التسعينات من القرن الماضي والتي عادت عليهم بالويلات. وقتذاك، اضطر حزب مسعود بارزاني إلى الاستعانة بالجيش العراقي في مواجهة حزب جلال طالباني الذي حظي في الوقت ذاته بدعم إيراني. فهم الحزبان أخيراً أن ليس في إمكان أي منهما القضاء على الآخر وأن التعاون بينهما شرط لا بدّ منه في حال كان مطلوباً الاستفادة من التطورات التي يشهدها العراق وعدم تحول الأكراد إلى ورقة في يد هذا الطرف الإقليمي أو ذاك. هذا ما حصل بالفعل. يدرك الحزبان حالياً أن ليس في استطاعتهما إعلان الاستقلال التام والناجز لأسباب ذات طابع إقليمي، على رأسها الموقف التركي، لكن لا شيء يمنع من التمهل وانتظار اللحظة المناسبة لتحقيق الحلم الكردي الذي يصطدم بجدار الدول المحيطة بكردستان العراق.

في المقابل، لا يتردد الفلسطينيون الذين كانوا في منتصف التسعينات على قاب قوسين أو أدنى من إقامة كيان شبه مستقل، في ارتكاب كل أنواع الأخطاء القاتلة. إنهم يستعيدون في السنة 2008 تجربة الأكراد في منتصف التسعينات. لديهم الآن كيانان كل منهما مستقل عن الآخر بدلاً من أن تكون هناك دولة فلسطينية مستقلة عن إسرائيل. صحيح أن الظروف الإقليمية والدولية ساعدت الأكراد، لكن الصحيح أيضاً أن الأكراد عرفوا الاستفادة من هذه الظروف وحتى من الحرب الأهلية الدائرة في مناطق أخرى من العراق بين السنة والشيعة أو بين السنة والسنة أو الشيعة والشيعة. أتقن الفلسطينيون فن أداة إضاعة الفرص خصوصاً بعد الانسحاب الإسرائيلي من جانب واحد من غزة صيف العام 2005 مع وجود حركة مثل «حماس» تعتبر أن القطاع يمكن أن يشكل قاعدة انطلاق لإزالة دولة إسرائيل من الوجود. لا يقرأ الفلسطينيون التطورات الإقليمية والدولية قراءة واقعية وعلمية. لم يفهم الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني ياسر عرفات، رحمه الله، أن دخول البيت الأبيض الذي سعى إليه طويلاً كان إنجازاً في حد ذاته. ولم يفهم خصوصاً أن آرييل شارون كان يركّز على إغلاق أبواب واشنطن في وجهه.

مع عدم تجاهل اللؤم الإسرائيلي والرغبة في تكريس الاحتلال، لا يمكن تجاهل أن الأكراد باتوا أقرب من الفلسطينيين في الحصول على دولة. ما سرّ تقدمهم في هذا الاتجاه؟ الجواب أنهم تحلوا أخيراً بالواقعية مستندين إلى موازين القوى على الأرض، في حين تأخذ «حماس» الشعب الفلسطيني إلى نكبة جديدة في ظل الرهان على الأوهام!


خيرالله خيرالله

كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي