محمد العوضي / خواطر قلم / شتم الحكومة... في المطار!

تصغير
تكبير

قبل ثلاث جُمع كنت في بلد خليجي أشارك في نشاط ثقافي، وبينما كنت واقفاً في صالة المطار أنتظر الأخوة الخليجيين وهم ينجزون تذاكر العودة وبيدي اليسرى شنطة صغيرة، والجو طبيعي دخل رجل كويتي جاوز الخمسة والخمسين يلبس بنطلون جينز وقميصاً ولا أريد أن أفصل في ذكر ما لفت أنظار الناس من هيئته التي لا تليق بسنه، الساعة كانت الثانية عشرة ليلاً يوم الجمعة، فعندما رآني رحب بي ترحيباً مبالغاً به وقال بأعلى صوته وأمام الناس: العوضي... ريّال... بطل... شجاع... كفو... ثم صافحني بقوة وظل قابضاً على يدي بشدة ومازالت كلمات المديح تتوالى من صوته الجهوري وهو لا يبالي بانزعاج الناس وبالحرج الذي تسبب به لي ولأصحابي... حاولت تخليص كفي الصغير الهزيل من قبضته الحديدية فلم أستطع، فقال: أحبك... أحبك موت... أحبك لأنك شجاع... ولكن أين دورك من هالحكومة الزفت... أين شجاعتك من (...) وذكر اسماً حكومياً كبيراً بسوء، ثم قال لي: لا تخاف... هذا وأمثاله من رجال الدولة تحت «حدوتي» هذا أي «حذائي» وأشار بأصبعه إلى حذائه الأيمن ذي اللون البني وقد رفعه قدر أربعة أصابع من الأرض... ثم قال: لا تخاف البرلمان تحت حذائي هذا، وأشار إلى حذائه الأيسر، وأكل كلامه... حتى (.....) وذكر اسم نائب برلماني كبير الشأن- تحت حذائي!! في هذه الأثناء دخل صالة المطار رئيس المجلس البلدي عبدالرحمن الحميدان مع ثلاثة محامين وعرف قصة هذا الثائر، فابتعد قليلاً، لاحظت أن رائحة سيئة تفوح من فم شاتم الحكومة والبرلمان الذي استرسل يتحدث بحماس عن السرقات المليونية والرشاوى المليونية والتنفيع والتخريب المدروس... والعلك يدور في فمه، فلما لاحظ نفرتي من الرائحة قال بصراحة متناهية وصوت سمعه من كان موجوداً: لا تؤاخذني تراني «لاكّه» في الفندق وجاي المطار!!! و«الّكِ» في الاصطلاح الشعبي أي شرب الخمر من الزجاجة مباشرة وبكثرة... كان الرجل ثملاً سكران، فلما أردت أن أصرفه عن الاسترسال في شتم الوزراء والنواب بالاسم وقلت له: أليس الأولى أن تساعد نفسك للتخلص من آفة الخمر؟ قاطعني وقال: يا معود اترك الحالة الشخصية لي واهتم بالبلد السكران الضايع!! حاول الاخوة أن يخلصوني منه فقال سأجلس بجوارك في الطائرة كلنا في درجة رجال الأعمال... فعلمت أنها مصيبة! ذهبت إلى رجال الأمن وطلبت منهم تخليصي من هذا البلاء، فالجلوس بجوار ملحد أو بوذي أو علماني أو أي إنسان في حالة من الوعي أحب إليّ من الجلوس مع فاقد الوعي والإحساس.

المصيبة أن مقعدي كان رقمه بجوار مقعده فطلبت من عبدالرحمن الحميدان أن أجلس بجواره، ونجحت الخطة، والسكران ينادي وهو في المقعد الذي خلفنا بفاصل مقعدين تعال يا دكتور، قلت يصير خير فلتقلع الطائرة... فقال: كفو... ريّال.

وكان يلقي بعض النكات ويضحك بصوت مسموع، وقبل الاقلاع بخمس دقائق، سمعنا ضجراً وشجاراً في آخر الطائرة وإذ برجل الأمن يقول لأحد الشباب الكويتيين رجاءً هات جوازك واطلع خارج الطائرة، والشاب يجادل ويحلف انه لم يتحرش بالمضيفة، وعندما خرج الشاب ووقف مع رجل الأمن على باب الطائرة في الخرطوم الملاحق له، ورفاق الشاب يترجون رجل الأمن بمسامحته، ناداني صاحبنا السكران... دكتور أين فزعتك لأبناء بلدي؟ لا تخليه يالعوضي... أشفقت على الشاب، ذهبت ونصحته وهدأت الوضع ورضي رجل الأمن برجوعه إلى الطائرة، فلما دخلنا والشاب بيده جوازه... صرخ السكران الأكبر... كفو... كفو... قايل لكم ريّال... وصفق... وصارت مسرحية!!

> تعليقي على الحدث أنه من المؤسف- كما أخبرني من له علاقة بسفارتنا في بعض دول الخليج التي تبيح الخمور، هو وقوع بعض شبابنا في السكر والعربدة، لكن السفارات فوجئت أن بعض كبار السن يقعون ضحايا سكرهم فيسرقون أو لا يملكون تسديد فواتير سكرهم، فيتصل المخفر بالسفارة لعرض مشكلة المواطن السكران المفلس الشايب!!

> التعليق الثاني اننا ضد الشتائم، لكن إذا كانت هذا الشاتم لا يعي تبعات ما يقول لسكره، فإن الخوف أن تتحول ثقافة الجماهير الواعية الى شتم بسبب سكرة الغضب العارم وليس سكرة الخمر، وها هي الأجيال تثور ضد ما تتوقعه من مقدمات تلوح بالأفق السياسي من تعليق البرلمان، أقول: ليس من صالح البلد في عصر التواصل الالكتروني والعداء المتزايد للحكومة من الطوائف والقبائل والكتل السياسية أن تتهور في خطوة غير مدروسة في مرحلة تاريخية حرجة... لأن الكل سيشتمها سكارى وأصحاء... والخوف ليس من الشتائم ولكن فيما وراءها.


محمد العوضي

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي