| علي محمد الفيروز |
يعيش العراق هذه الأيام في أقسى ظروفه الأمنية والأكثر دموية منذ ما يزيد على عامين، إذ شهد هجمات متفرقة في معظم مناطق العراق ناتجة من تحذيرات إرهابية أطلقها زعيم تنظيم القاعدة هناك نتجت عنها تفجيرات انتحارية وعبوات ناسفة وسيارات مفخخة ثم هجمات مسلحة في 14 مدينة عراقية استهدفت معظمها مراكز أمنية وعسكرية حساسة وقتل فيها العشرات من رجال الشرطة والأبرياء المدنيين، هذا وقد سبق للعراق أن شهد هجمات عدة وأعمال عنف مماثلة في مايو 2010م إلا ان الهجمات الأخيرة التي شهدها تعتبر هي الأكثر دموية، وقد تطول رجال القضاة والمحققين في الأيام المقبلة.
وفي خضم هذه الأحداث الدامية نرى أن الأزمة السياسية في العراق تتجه نحو طريق مسدود، خصوصا ما بين التحالف الوطني العراقي الذي يرأسه السيد إبراهيم الجعفري والقائمة العراقية بقيادة إياد العلاوي، ويرجع موضوع الخلاف حول نقاط رئيسية عدة تتطلبها عملية الإصلاح وسبل إعادة الثقة بين الأطراف السياسية بالبلاد وذلك للحفاظ على وحدة الصف الوطني ومراعاة المواطنة وحقوق الإنسان العراقي، ورغم انخفاض معدلات أعمال العنف في عموم العراق في الفترات الماضية بعد أن بلغت أوجها ما بين عامي 2008/2006 إلا أن هذه المرة قد جاءت مختلفة عن سابقتها من حيث التفجيرات التي أصبحت شبه يومية، خصوصا تلك المناطق التي تسكنها غالبيات شيعية وتحديدا بالقرب من مكان الحسينيات فقد شهدت ارتفاعا ملحوظا في أعمال عنف وإرهاب.
لذا تتهم أوساط سياسية رئيس الوزراء نوري المالكي على أنه هو المتسبب الرئيسي في انتشار الانفلات الأمني وزعزعة الاستقرار، أي انه غير قادر على ضبط الأوضاع الأمنية والسياسية في البلاد منذ أن حكم العراق عام 2006، وبالتالي تحاول هذه القوى السياسية النافذة سحب الثقة منه ومن حكومته الضعيفة، إذ إن هذا المسعى لم يكن حديث الولادة وإنما هو أحد فصول الأزمة السياسية التي تلوح بالأفق منذ عملية الانسحاب الأميركي من العراق حينما اتهم في سعيه نحو التفرد بالسلطة دون استشارة القوى السياسية النافذة في البلاد، وهو ما أثر سلبا على علاقته مع الآخرين وعلى الأوضاع الأمنية والاقتصادية حتى بات يشل مؤسسات الدولة جميعها.
يرى مراقبون قريبون من الأزمة السياسية المستمرة أن السيد نوري المالكي وجد نفسه مضطرا للدعوة إلى اجراء انتخابات مبكرة في العراق حينما رفض أطراف أخرى الجلوس معه على طاولة المفاوضات في حين يتهم المالكي أطرافا سياسية معادية باثارة القلاقل والأزمات السياسية في البلاد بدلا من ايجاد مخرج منطقي للأمر ويعتقد أن البرلمان بحاجة إلى حركة إصلاحية سريعة وهو الأمر الذي حير رئيس الجمهورية جلال طالباني وأبدى تحفظا على خطوة سحب الثقة منه، وفي المقابل اتهم رئيس مجلس النواب أسامة النجيفي رئيس الوزراء نوري المالكي بأنه يتهرب من المساءلة السياسية بين حين وآخر من خلال تعمده عدم حضوره جلسات البرلمان العراقي وجلسة استجوابه شخصيا، داعيا جميع النواب لضرورة احترام الدستور العراقي ووجوب حضور النواب لاستجواب المالكي إلا ان هذا الأمر لم يتحقق بعد على أرض الواقع!!
بين فترة وأخرى يأخذ الحراك السياسي في العراق مناحي جديدة من أجل حل مسألة الخلافات بين القوى السياسية ولا نعلم مداها في المستقبل، غير أن مصادر عراقية مطلعة تفيد بأن حملة التهديدات الدائرة في التصريحات المتبادلة بينهما لا تمثل سوى المزيد من التعقيد وتشتيت المواقف، وهذا بالطبع لا يساعد على ايجاد توافق وطني لاستمرار حكومة المالكي الحالية حتى نهايته، وهو ما جعل زعيم المجلس الإسلامي الأعلى ياسر الحكيم يكثف اتصالاته مع أطراف قيادية مهمة بهدف حسم الصراع المتأزم في أسرع وقت ممكن حتى لا يصل إلى حد طرح الثقة في الملاكي، فبالرغم من عزم نوري المالكي الانتهاء من ملف الاصلاحات المطلوبة بما يتوافق مع الدستور مقابل اجراء انتخابات برلمانية جديدة إلا ان هذه الخطوة لم تتفق مع طروحات وآراء مادة الائتلاف الوطني العراقي ولكنها متفقة تماما مع اعادة تفعيل برنامج الاصلاح.
ان شعبية رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بدأت تقل تدريجيا بسبب فقدان التوازن السياسي في البلاد، فكيف لو نقيس هذا الأمر على المناطق والقوى السنية والمسيحية وغيرها؟!
لقد شهدت العلاقة ما بين نوري المالكي وزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر فتورا شديدا في الآونة الأخيرة لاسيما بعد انضمام الأخير إلى قادة الكتل السياسية المطالبة بسحب الثقة من رئيس الوزراء الحالي، ولكن يبدو أن هناك ضغوطا غير عادية تمارسها بعض الدول المجاورة والاقليمية على التيار الصدري وبعض القوى السياسية النافذة للتراجع عن أي خطوات تطرح الثقة في شخص نوري المالكي، فضلا عن استعداده لعمل المستحيل من أجل البقاء في السلطة حتى وان كان على حساب أمن واستقرار العراق أو على حساب نزيف الدم العراقي، بيد أن زعيم التيار الصدري يؤكد من جديد أن موقفه من رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي مستمر ولن يتأثر من مواقف المراجع الدينية في مدينة قم الإيرانية، حيث أشار إلى أن هؤلاء المراجع ملتزمون الحياد بشكل يبعث على التساؤل!!
ويبقى السؤال هنا: ما الذي غير موقف الرئيس العراقي جلال الطالباني حيال طرح الثقة وجعله يتراجع ويلتزم الصمت بعد أن كان صاحب مقترح سحب الثقة من نوري المالكي من دون الخوض في الآليات الدستورية في اجتماع أربيل الأول؟!
ولكل حادث حديث.
[email protected]