خيرالله خيرالله / المغرب في مواجهة الحرب السياسية ...

تصغير
تكبير
منذ ظهرت قضية الصحراء، وهي قضية مفتعلة، كان على المغرب مواجهة الهجمة تلو الاخرى. واجه في البداية حربا حقيقية شنتها عليه الجزائر بالواسطة. وعندما انتهت الحرب بالسيطرة على الصحراء عسكريا وامنيا واجتماعيا ابتداء من العام 1985، بما يحمي سكان تلك المنطقة، بدأت حرب اخرى ذات طابع سياسي وديبلوماسي. لا هدف لهذه الحرب سوى استنزاف المملكة المغربية التي تخوض حروبها على طريقتها الخاصة. والطريقة الخاصة المغربية تعني ممارسة الصبر وضبط النفس الى النهاية ولكن من دون تجاهل ضرورة اتخاذ القرار الحاسم، من نوع سحب الثقة بممثل الامين العام للامم المتحدة، في الوقت المناسب ومتى دعت الحاجة الى ذلك.

لا بدّ دائما من العودة الى نقطة البداية. اذا كان مطلوبا منح الصحراويين حقّ تقرير المصير، فمن هم الصحراويون المعنيون بهذا الحقّ. هل هم الصحراويون المنتشرون على طول الشريط الممتد من موريتانيا الى جنوب السودان مرورا بدول عدة في المنطقة من بينها الجزائر. في حال كانت الجزائر حريصة كلّ هذا الحرص على حقوق الصحراويين لماذا لا توفّر لهم دولة مستقلة على اراضيها الشاسعة بدل السعي باستمرار الى ايجاد دولة للصحراويين في ما يسمّى الصحراء الغربية على حساب المغرب؟

هل الصحراويون الموجودون في الجزائر او في موريتانيا يختلفون في شيء عن صحراويي جبهة «بوليساريو» الذين يرفضون في معظمهم البقاء اسرى السياسة الجزائرية القصيرة النظر التي لا هدف لها سوى شنّ حرب استنزاف على المغرب. لماذا لا تسعى الامم المتحدة، في حال كانت بالفعل صادقة مع نفسها ومع تطبيق القانون الدولي الى اجراء استفتاء بين الصحراويين المقيمين في سجن كبير في تندوف، اي داخل ارض جزائرية، بدل البحث عن المستحيل وعن حلول لا علاقة لها بالواقع من قريب او بعيد؟

يتمثل هذا المستحيل في اقتطاع ارض مغربية واقامة دولة فيها، دولة تدور في الفلك الجزائري وتؤمن ممرا لهذا البلد الى المحيط الاطلسي. انها احلام تراود نظام مريض اسس له هواري بومدين يعتقد عبد العزيز بوتفليقة انه وريثه الشرعي. مثل هذا النظام لا يبني دولا، بل يستخدم عائدات النفط والغاز للاساءة الى دول اخرى واختراع دور اقليمي غير موجود سوى في الاحلام.

انها مشكلة الجزائر التي يعتقد النظام فيها ان عائدات النفط والغاز كفيلة بخلق دور اقليمي لدولة متخلفة على كل الصعد لا تستطيع تلبية اي متطلبات لابنائها. على رأس هذه المتطلبات وضع سياسات واضحة تؤدي الى رفع مستوى التعليم في البلد والحد من النمو السكّاني العشوائي والسعي في الوقت ذاته الى توظيف موارد الدولة في التنمية وخلق فرص عمل للشبّان بدل تشجيعهم بطريقة غير مباشرة على سلوك طريق التطرف الديني.

يعرف المبعوث الدولي كريستوفر روس الذي سبق له ان عمل ديبلوماسيا في المغرب ثم سفيرا للولايات المتحدة في الجزائر ان قضية الصحراء لا علاقة لها بالصحراء. انها مشكلة بين الجزائر والمغرب لا اكثر ولا اقلّ. بدل ان تنصرف الجزائر الى معالجة مشاكلها الداخلية، اذا بها تهرب من هذه المشاكل الى الخارج، مستهدفة المغرب. انها سياسة جزائرية عقيمة لا تشبه سوى تلك التي اتبعها النظام السوري الذي يواجه حاليا ما يستحقّه اثر دخوله في مواجهة مباشرة مع شعبه.

هناك قوتان اقليميتان في منطقة شمال افريقيا. هما المغرب والجزائر. التعاون بين القوتين يخدم كلا منهما. هذا ما يسعى اليه المغرب. في المقابل، تعتبر الجزائر انّ من واجبها الاساءة الى المغرب بشكل يومي متجاهلة ان مثل هذا التوجه سينقلب عليها عاجلا ام آجلا. هناك خطر الارهاب الدولي الآتي من الصحراء الواسعة والذي يهدد المغرب والجزائر في آن. بدل ان تعمل الجزائر مع المغرب على التصدي لهذا الخطر الداهم الذي لم يعد في استطاعة اي طرف تجاهله، اذا بها تعمل على تشجيعه بكلّ الوسائل الممكنة... ما دام ذلك يؤذي المغرب. تلك هي المفارقة!

بدل سعي المبعوث الدولي الى وضع حدّ لمثل هذه السياسة التي لم تؤد الى سوى قيام بؤرة ارهابية تسيطر عليها «القاعدة» في مالي، اذا به يقدم على تشجيع كلّ ما من شأنه عرقلة اي حلّ في الصحراء الغربية يستفيد منه المغرب والجزائر في آن وفي طبيعة الحال الجهود الدولية الهادفة الى مواجهة ارهاب «القاعدة» الذي مصدره الصحراء.

هناك مشروع حلّ طرحه المغرب في الصحراء الغربية. انه اللعبة الوحيدة المتوافرة في المدينة. من يرفض البناء على هذا الحل القائم على لامركزية واسعة الى ابعد حدود في الصحراء انما يخدم الارهاب.

من الواضح ان الجزائر عاجزة عن الاستفادة من تجارب الماضي القريب، بما في ذلك تجربتها مع الارهاب والتطرف الديني الذي كاد ان يقضي على البلد لولا تصدي اجهزة الدولة له بدعم واضح من المغرب. هل في الجزائر من يريد تناسي ان المغرب كان اوّل من وقف مع الجزائر لدى اندلاع احداث خريف العام 1988 في وجه نظام كان على رأسه الشاذلي بن جديد؟

الاكيد ان هناك في الجزائر من يريد تجاهل ذلك. هناك خدمات كبيرة الى درجة لا يمكن الرد عليها الاّ بنكران الجميل. هكذا يقول المثل الفرنسي الذي ينطبق على تصرفات عبد العزيز بوتفليقة الذي لا همّ له سوى تقمّص شخصية هواري بومدين، علما انه من بين الذين عرفوا بومدين عن قرب، وقد عرف خصوصا نقاط ضعفه وعقده الشخصية، على رأسها العقدة المغربية.

اتخذ المغرب قراراً واضحا فحواه ان كفى تعني كفى وانه آن اوان خروج المجتمع الدولي ممثلا بمبعوث الامين للامم المتحدة من عقدة الصحراء الغربية التي هي عقدة جزائرية اوّلا واخيرا لا علاقة للصحراويين بها. هناك وسيلة لايجاد حلّ في الصحراء الغربية. ما يفترض ان تنصبّ عليه الجهود هو مواجهة مشكلة الارهاب في المنطقة بدل سقوط الامم المتحدة في العقدة الجزائرية. هذا ما يفترض بكريستوفر روس ان يستوعبه قبل غيره.

من يسقط في اسر عقدة الجزائر تجاه الصحراء الغربية والمغرب يساهم بطريقة او باخرى في تشجيع الارهاب على الصعيد الاقليمي. من يستطيع في نهاية المطاف ضمان عدم وجود علاقة بين «بوليساريو» والشبكات الارهابية في المنطقة، خصوصا في مالي؟



خيرالله خيرالله

* كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي