تصدر موضوع وفاة المواطن محمد الميموني المطيري في يناير 2011 وتعذيبه من قبل رجال الأمن في الكويت أول الأحداث المنتهكة لحقوق الإنسان في تقرير حقوق الإنسان للعام 2011 الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية في المخالفات التي قامت بها الحكومة الكويتية، لما لقضية وفاته من قصة مأسوية محزنة ويدور حولها الغموض والشبهات، فقد توفي الميموني تحت أدوات التعذيب المختلفة أثناء اعتقاله تحت تهمة لا تعد من التهم الغليظة وهي حيازة المشروبات الروحية، وبالتالي لا يستحق التعذيب حتى الموت! فلم يحدث مثل هذا الأمر في دولة مثل الكويت يحكمها القانون والدستور يموت فيها مواطن بسبب حيازة مشروبات روحية.
إذاً كيف سيكون الحال لو أن الميموني متهم في قضية حيازة مخدرات مثلاً؟!!! ترى ماذا سيكون مصيره وكيف سيكون التعامل معه من رجال يفترض أن يكونوا أمينين على وظائفهم العسكرية، وبالتالي طريقة تعذيبه ومقتله أثارت شبهة جنائية، وأعطت أكثر من علامة استفهام خصوصا ً بعدما عُذب في مكان غير تابع لوزارة الداخلية.
وبناءً على هذه المعلومات الخطيرة شكل مجلس الأمة لجنة خاصة للتحقيق في ملابسات تعذيب ووفاة المواطن محمد الميموني والتي بدورها دانت هؤلاء المسؤولين في وزارة الداخلية، ناهيك عن متابعة أهالي المقتول قضيته في أروقة قصر العدل، فهؤلاء المتهمون يجب أن يأخذوا جزاءهم العادل مهما كانت أسماؤهم ومناصبهم القيادية.
وقد اتهم التقرير أيضاً الشرطة بالفساد لتفضيلها المواطنين على غيرهم في المعاملة وهي ظاهرة غريبة وخطيرة على المجتمع، وكذلك قضية وفاة وافد بنغلاديشي تحت التعذيب إثر اعتقاله بتهمة السرقة حيث لم تتم محاكمة المتهمين فيها على الرغم من إحالة القضية إلى المدعي العام، وهذا بالطبع يسيء إلى سمعة الكويت الخارجية، لما يبدو أن وزارة الداخلية بحاجة إلى غربلة قيادييها وبالأخص في القطاعات التي لها احتكاك فيها مباشر مع المواطنين والمقيمين، وعلى قياديي وزارة الداخلية المتورطين في القضايا في المحاكم عليهم إدانة أن يرحلوا مثلما رحل الشيخ جابر الخالد من منصبه وقدم استقالته من الوزارة فهؤلاء لم يكونوا على قدر من المسؤولية مع احترامنا الشديد لإنسانية وزير الداخلية الجديد الشيخ أحمد الحمود الصباح - حفظه الله - الذي نرى فيه مثل «الرجل المناسب في المكان المناسب».
ثم ذكر تقرير حقوق الإنسان الأميركي قضية الإيداعات المليونية التي دخلت حسابات بعض النواب وتضخمت حساباتهم في سبتمبر عام 2011 في البنوك الكويتية في الفصل التشريعي الثالث عشر وما قبله، وهؤلاء جميعاً حولت قضية حساباتهم إلى النيابة العامة عن طريق البنك المركزي إلى أن أصبحت قضية تهم الرأي العام كله لانها إيداعات مشبوهة لملايين الدولارات وضعت في حسابات شخصية وحسابات أقربائهم الذين بلغ عددهم نحو 15 نائباً أو أكثر، وبالتالي أثرت قضيتهم سلباً على شعبيتهم الانتخابية وأدت إلى سقوط مدوٍ للأسماء المتهمة أثناء فترة الانتخابات الأخيرة، ولعل النتائج كانت خير دليل على ذلك ورسالة واضحة من الشعب الكويتي إلى محاربة الفساد ورموزه في البلد.
فلننظر قليلاً كيف خلت الدائرة الأولى من قبيلة العوازم وهي حادثة لم تحدث في تاريخ البرلمان ناهيك عن الأسماء المخضرمة التي لها باع طويل في العمل البرلماني كيف خسرت مقاعدها؟!! كما نلاحظ أن التركيبة النيابية الأخيرة قد غلب عليها الطابع الإسلامي وهم الآن يمثلون الغالبية داخل البرلمان الحالي، وهذا يعني أنها رسالة للنواب المستقلين الذين كانوا يتقربون كثيراً إلى الحكومة وكأنهم حكوميون أكثر من الحكومة!! غير أن دور الحكومة الحالية مع نواب الغالبية ليس على ما يرام وأداؤهم ضعيف جداً وهذا يعطي مؤشراً على فقدان التوازن النيابي - الحكومي والذي قد يؤدي إلى فقدان التنسيق في ما بينهما، نتمنى من خلاله أن يتحول نحو الأفضل. فنسمع كثيراً عن موضوع الحل عند تقديم أي استجواب وهذا ما لا يتمناه الناخبون الذين يبحثون عن الانجاز للمجلس الحالي في القوانين التي تهم البلاد وتصب في صالح الجميع بعيداً عن موضوع الصراع والاحتقان السياسي الدائم.
ثم تطرق التقرير الأميركي حول استخدام الحكومة سلطتها في ترخيص الجمعيات كوسيلة للسيطرة السياسية، وهذا بالطبع يخالف حرية الرأي والتعبير الذي كفله الدستور والقانون، ونلاحظ هنا غياب دور جمعيات النفع العام عن أداء الحكومة، ربما بسبب ضعف الدعم الحكومي لهذه الجمعيات المرخصة حتى اتهمت الكويت على أنها تستخدم سلطتها في الترخيص للبعض منها على حساب الآخرين، ليؤكد التقرير أن في الكويت 73 جمعية مرخصة فقط بينما هناك 149 جمعية لم يتم الترخيص لها، وهذا مخالف للقانون الكويتي والقانون الدولي، والمسؤولية هنا تقع على وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، الأمر الذي جعل عدداً كبيراً من جمعيات النفع تعمل وتتابع أعمالها بشكل غير قانوني... فهم بالطبع لا يلامون لأننا نجد من حقها ممارسة دورها من حيث النشاط العادي طالما تقدمت بطلب رسمي للترخيص ولم يستجب لها دون ذكر الأسباب!!
وانتقل مضمون التقرير إلى إدانة النائب الحالي محمد الجويهل في تهمة سابقة له قبل أن يصبح نائباً في البرلمان في تاريخ 27 مارس 2011 حيث اتهم بالتشهير المتعمد للنائبين مسلم البراك وسعدون حماد (نائب سابق) أثناء حلقة نقاشية ساخنة في التلفزيون عام 2009، فحكمت المحكمة عليه بالسجن لمدة سنة إلا أن هذا الحكم لم يتم تطبيقه من دون معرفة الأسباب... كما تطرق التقرير إلى شبكة التجسس الإيرانية التي سبق لي الحديث عنها في مقال سابق وأوضحت عن مدى خطورة الأوضاع الراهنة وكيفية تدخل المسؤولين الإيرانيين في قضايا دول الخليج العربي خصوصا في ما يتعلق بأمن واستقرار الخليج والشؤون الداخلية بالبلاد عن طريق زرع شبكة تجسسية مهمتها اعطاء معلومات سياسية واقتصادية وعسكرية وهذا مخالف للمواثيق والأعراف الدولية، وقد قبض عليهم بالجرم المشهود وباعتراف أفرادها في عملية التجسس والتصوير لأماكن حساسة بالبلاد الأمر الذي أثار استياءً عارماً لدى الأوساط الحكومية والشعبية، على الرغم من تمسك الحكومة وتحفظها السابق على قرار منع نشر التفاصيل كاملة عند التحقيق مع الشبكة إلا أن بعض وسائل الإعلام قد قامت بالتحدث ونشر المعلومات كاملة.
وأشار تقرير الخارجية إلى قضية «الرشوة» في الكويت والتي انتشرت بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة حيث بدأت هذه الظاهرة تتفاقم يوماً بعد يوم حتى طالت غالبية القطاعات الحكومية وهي ظاهرة خطيرة جداً على المجتمع إذ لا تخلو أي معاملة غير قانونية من رشوة في سبيل انجازها، وهذه الظاهرة لم تكن موجودة أساساً في الكويت إلا أن ضعاف النفوس وأصحاب المصالح الضيقة، وطامعي المال لم يتركوا المسؤولين في حالهم أي استغلوا أصحاب الحاجة والعمالة الوافدة الضعيفة بفرض رشوة مقابل انجاز أي معاملة وربما يستفيد منها الطرفان، وهذا يدمر البلد بأكمله ويضيع كل ذي حق حقه ويختلط الحابل بالنابل، وهناك تقارير وقضايا كثيرة شبيهة بهذا الأمر حيث هناك أشخاص اضطروا لدفع مبالغ مالية كبيرة لوسطاء من أجل خدمات حكومية روتينية وهنا تقع المصيبة!
لقد كثرت قضايا التزوير والرشوة والواسطات للقفز على القانون.
واختتمت وزارة الخارجية الأميركية تقريرها على أن مسؤولي الدولة، لم يكونوا عرضة لقوانين تجبرهم على كشف ذمتهم المالية، كما هو معمول به في معظم دول العالم، حيث نلاحظ أن قانون محاكمة الوزراء وقانون من أين لك هذا؟! اللذين أثيرا في أكثر من فصل تشريعي في البرلمان لم يُفعلا بالشكل المراد، وفي هذا الجانب نترك الجواب لأعضاء الحكومة الحالية الموقرة، خصوصا عندما نكون أمام قضايا متعددة تكون معظمها سرقة واضحة للمال العام وللفساد!!!
حفظ الله الكويت وشعبها من كل مكروه.
علي محمد الفيروز
كاتب وناشط سياسي
[email protected]