شارك عشرات الآلاف من الفلسطينيين في مسيرات حاشدة دعت اليها حركة المقاومة الاسلامية (حماس) ابتهاجاً باتفاق انهاء اضراب الاسرى في سجون الاحتلال الاسرائيلي وانتصارهم في معركة «الامعاء الخاوية» ضد ادارة السجون، وسط هتافات مناصرة للاسرى وقيام المشاركين في هذه المظاهرة بسجدة شكر لله رب العالمين على انتصار الاسرى ورضوخ الاحتلال الصهيوني لمطالب الاسرى ومطالب الشعب الفلسطيني الذي وقف وقفة مشرفة في متابعته على قضية الاسرى وجعلها من ضمن الاولويات كما نشيد بدور مصر الايجابي التي رعت هذا الاتفاق وبذلت الجهود من اجل انهاء اضراب الاسرى في سجون الاحتلال.
هذا وقد اعتبرت بعض الصحف الاسرائيلية ان الاتفاق مع الاسرى المضربين عن الطعام من شأنه ان يكون مؤشراً ايجابياً لاحتمالات استئناف المفاوضات بين الجانبين، وان قرار الاستجابة لمطالب الاسرى الاساسية والموافقة على تسليم السلطة الفلسطينية جثامين مئة شهيد فلسطيني قد جاء صائباً من خلال القيام بخطوات تصحيحية وذلك لبناء عنصر الثقة بين الطرفين الاسرائيلي - الفلسطيني خصوصاً بعد اللقاء الاخير الذي ضم رئيس السلطة محمود عباس وبين مبعوث نتنياهو المحامي يتسحا مولوخو» رغم ان استئناف عملية المفاوضات لا تلوح بالافق ولكن يرى قادة اسرائيل ان ازالة التوتر القائم بين الجانبين يجب ان يحسم ليتم بموجبه ازالة الاخطار المحتملة التي قد تضرب الاستقرار في منطقة الشرق الاوسط، خصوصاً نحن في اوقات حرجة تشهدها المنطقة مليئة بالقلاقل وعدم الاستقرار في كثير من الدول العربية خاصة.
غير ان قادة اسرائيل كانوا يتوقعون المزيد من المواجهات والصدامات في اكثر الايام حساسية وهو يوم احياء الذكرى الرابعة والستين ليوم النكبة، يوم الاحتلال والتشرد والحرمان من ارض الوطن عام 48، حيث طرد فيه آلاف الفلسطينيين من ديارهم، فيما نقلت صحيفة هآرتس الاسرائيلية ان الانجاز الاهم لجهاز الامن العام الاسرائيلي «الشاباك» تمثل بموافقة الاسرى بالتوقيع على وثيقة اسرائيلية يلتزمون عبرها بعدم القيام بأي نشاطات معادية داخل السجون وتفكيك القنبلة الموقوتة من هؤلاء الاسرى المضربين الذين يقدر عددهم بـ 1600 أسير بالتزامن مع يوم النكبة الذي كان سيؤدي ذلك الى موت محقق لأجل الأسرى لولا تدارك الاوضاع وانقاذهم، وللمرة الاولى تعترف الصحيفة ان الاتفاق يشكل بالأساس انجازاً كبيراً لكل من السلطة الفلسطينية وحركة حماس، بمساعدة أجهزة الامن الفلسطينية الذي كان له دور بارز في التوصل الى اتفاق الطرفين بالرغم من وجود اسرى الجهاد الاسلامي المحسوبين على حركة حماس وهم الذين قادوا الاضراب العام عن الطعام، وانتصاراً للاسرى انفسهم من سياسة الحبس الانفرادي والعزل ومن بينهم مروان البرغوثي، وربما تكون خطوة ايجابية لتقارب وجهات النظر بين الجانبين وايضاً خطوة عملية لتفكيك سياسة العزل الاسرائيلية بين الضفة والقطاع.
هذا وقد أصدر مكتب رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو بيانا مفصلا عن نص التفاهمات التي تم التوصل اليها بعد اضراب الاسرى بوساطة مصرية واردنية، ولكن اللافت هنا انه خلا من اي اشارة الى المعتقلين الاداريين، معتبراً ان الاتفاق الذي تم بين الطرفين هي خطوة ايجابية لبناء الثقة وبادرة حسن النية حيال الرئيس محمود عباس، وتم تحقيق هذا التقدم مقابل توقيع قادة السجناء الامنيين على كتاب التعهدات باسم جميع السجناء من جميع المنظمات وفي جميع السجون والمعتقلات في اسرائيل والمعضلة هنا ان الاتفاق يطبق ايضاً على السجناء الذين يتم اعتقالهم في المستقبل القريب مقابل سلسلة من التسهيلات التي تتعلق بظروف اعتقال السجناء ومن اهمها السماح لاقارب من الدرجة الاولى بزيارة سجناء امنيين من قطاع غزة والضفة الغربية بينما لم يتطرق لاطلاق سراح الاسرى القدامى بتاتاً ويلغى كتاب التعهدات الحالي في حال القيام بأي نشاط يمس الامن من داخل السجون او استئناف الاضراب مجدداً.
وقد تمت بلورة التفاهمات مع السجناء وفقاً لاتفاق سابق تم التوقيع عليه معهم في شهر ايار عام 2000م بعد جولة لقاءات سرية مع قادة الطرفين.
ترى اسرائيل ان التشدد في الاجراءات الاخيرة ازاء السجناء الامنيين تعتبر ضرورية على خلفية تورط هؤلاء السجناء في عمليات قتالية تم تنفيذها خلال السنوات الاخيرة في اسرائيل، لذا فان هذه الاجراءات تتماشى مع مطالب القانون الدولي والاعراف الدولية المعنية حسب رأيها المعتاد، وبهذا الاتفاق تكون اسرائيل قد لبت نداء ومطالب القادة الفلسطينيين والذين يتقدمهم رئيس السلطة محمود عباس بعد لقائه مع مبعوث رئيس الوزراء نتنياهو من بينها تسليم جثث الفلسطينيين الذين قتلوا خلال قيامهم بعمليات استشهادية ضد قوات الاحتلال والمستوطنين، ووافقت الحكومة الاسرائيلية على تسليم مئة جثة بعدما كان من المفترض تسليمها قبل عام ولكن تم تأجيل ذلك من اجل عدم المساس بعملية المفاوضات التي اجريت لاطلاق سراح الجندي الاسير في السابق جلعاد شاليط وفي تفاصيل جديدة عن فحوى الرسالة التي نقلها نتنياهو الى الرئيس محمود عباس تحت عنوان «المفاوضات مع الفلسطينيين هدفها بوادر حسن نية وليس تقديم تنازلات»!! وقد جاء ملخصها على ان تسوية انهاء اضراب الاسرى ليس الهدف منه وقف بناء المستوطنات والعودة للحديث عن حدود العام 67 ولكن نتنياهو بقي متمسكاً بجوهر الخلاف حول المستوطنات والحدود وقرر الاستجابة الى جزء من مطالب الرئيس محمود عباس لتعزيز الثقة بين الطرفين وللتلويح باستعداده التقدم في عملية السلام بعد اقامة حكومة وحدة وطنية في اسرائيل ادت الى توسيع قاعدة الائتلاف الحكومي.
والسؤال المطروح هنا: كيف يتوقع نتنياهو من الفلسطينيين الاعتراف باسرائيل كدولة يهودية للشعب اليهودي عند التوقيع على اتفاق الحل النهائي في حين يطالب من القادة الفلسطينيين ان تكون دولة فلسطين منزوعة السلاح ومازال متمسكاً بعدم العودة الى حدود العام 67 ومعارضا بشدة في موضوع وقف بناء المستوطنات؟!
كيف... كيف؟!!
ولكل حادث حديث،،
علي محمد الفيروز|
[email protected]