هل في استطاعة الفلسطينيين الاستفادة من الاتفاق الذي أمكن التوصل إليه في صنعاء... أم يضيعون مرة أخرى الفرصة المتاحة؟ بعدما صار إضاعة الفرص اختصاصا من اختصاصاتهم، على الرغم من كل ما مرّت به قضيتهم من تجارب صعبة ومآس توّجت بقيام كيانين فلسطينيين بديلا عن دولة فلسطينية مستقلة. تسبب الفلسطينيون بمآس لقضيتهم ولغيرهم، أكان ذلك في الأردن أو لبنان أو الكويت، غير مدركين في أي وقت أن عليهم امتلاك ما يكفي من الشجاعة للإقدام على خطوات جريئة والاعتراف بالخطأ. يبدو ممنوعا عليهم الاعتراف بالخطأ، علما أن ذلك فضيلة.
أظهر «إعلان صنعاء» بين «فتح» و«حماس» والذي توصل إليه الطرفان، برعاية الرئيس علي عبد الله صالح، أنه لا يزال بين العرب من يفكر في ما يفيد الفلسطينيين وقضيتهم بدلا من إستخدامهم وقودا في معارك ذات طابع إقليمي لا علاقة لهم بها من قريب أو بعيد. تعكس الجهود اليمنية رغبة صادقة في جعل الفلسطينيين يعون مصلحتهم الحقيقية في وقت تمر فيه المنطقة في مرحلة في غاية الدقة والخطورة في آن. من يريد التأكد من ذلك، يستطيع العودة إلى وقائع الجلسة الافتتاحية للقمة العربية التي استضافتها دمشق. عكست الجلسة الافتتاحية إلى حدّ كبير حال العجز التي يعاني منها العالم العربي. كانت اللغة المستخدمة في الخطب التي ألقيت من النوع الخشبي الذي يذكر بأيام الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية سعيدة الذكر. ولولا الخطاب الذي ألقاه الزعيم الليبي العقيد معمرّ القذافي والذي تميّز بالصراحة، خصوصا عندما وصف الوضع العربي على حقيقته، لأمكن القول انه ليس بين الذين تحدثوا في الجلسة العلنية من استطاع أن يقول عبارة مقنعة، حتى لزوجته!
في ضوء ما شهدته القمة، يفترض بالفلسطينيين اليوم قبل الغد السعي إلى الاستفادة من «إعلان صنعاء» بعيدا عن أي نوع من العقد. وهذا يعني بطبيعة الحال أن عليهم العودة في أسرع ما يمكن إلى الوضع الذي كان سائدا في قطاع غزة قبل الانقلاب العسكري الذي نفّذته «حماس». إنها خطوة أولى في الاتجاه الصحيح، في حال كان هناك في «حماس» من يهمه الخروج من المأزق الذي أوقعت الحركة نفسها فيه، وفي حال لو كان هناك في «حماس» من يهمّه حقّا فك الحصار عن القطاع اليوم قبل الغد... بدلا من البحث عن انتصارات وهمية يسقط فيها عشرات الفلسطينيين قتلى يضاف إليهم مئات الجرحى! إنها خطوة تخرج «حماس» من مأزقها بدلا من الإصرار على الغرق أكثر في هذا المأزق والتمتع به والتورط بلعبة الدم التي سئم منها الفلسطينيون.
من الواضح أن إسرائيل لا تريد حلا أو تسوية معقولة ومقبولة تقوم على فكرة الدولتين. ويبدو واضحا أن حكومة أولمرت التي تعاني من تجاذبات داخلية، خصوصا بين رئيس الوزراء نفسه ووزير الدفاع ايهود باراك، الطامح إلى الحلول مكان أولمرت، قادرة على مقاومة الضغوط الأميركية حتى لو أتت من الرئيس بوش الابن شخصيا. ترى الحكومة الإسرائيلية أن الوضع الراهن يناسبها إلى حد كبير ما دامت «حماس» تطلق صواريخها من غزة، وما دام هناك كيانان فلسطينيان يغنيان عن قيام دولتين الأولى إسرائيلية والأخرى فلسطينية على أرض فلسطين.
في غياب أي أفق للتسوية، بغض النظر عما تقوله كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية التي عادت مجددا إلى المنطقة، يفترض في الفلسطينيين العمل من أجل إعادة ترتيب أوضاعهم. مرة أخرى، ان «إعلان صنعاء» يساعد في ذلك ولا بدّ أن تتمثل الخطوة الأولى في إزالة آثار الانقلاب الذي نفّذته «حماس» تنفيذا لتعليمات صادرة عن المحور الإيراني- السوري الذي أراد التأكيد في مرحلة معيّنة على أنه صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في غزة، وأن لولاه لما أمكن التوصل إلى «اتفاق مكة المكرمة» في فبراير من العام 2007، أي قبل أربعة أشهر من أحداث القطاع التي انتهت بوضع «حماس» يدها عليه وطرد «فتح» منه.
لا شك أن «فتح» تعاني حاليا من نقاط ضعف عدة. في مقدم هذه النقاط الوضع الداخلي للحركة التي نخرها الفساد من داخل، إضافة إلى نشوء مراكز قوى عدة داخلها تتناحر في ما بينها وتتنافس على النفوذ. إلى ذلك كله، هناك التركة الثقيلة لياسر عرفات الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني. صحيح أن أبو عمّار وضع القضية الفلسطينية على الخريطة السياسية للشرق الأوسط نتيجة نضال استمر أربعة عقود، إلاّ أن الصحيح أيضا أنه أقام نظاما على قياسه أكان ذلك داخل «فتح» نفسها أو على صعيد المؤسسات الفلسطينية التابعة لمنظمة التحرير والسلطة الوطنية لاحقا. وقد انهار هذا النظام مع غياب ياسر عرفات ولم يبق منه سوى هيكل هزيل لم يستطع أبو مازن سوى ترميم جزء منه.
ما يعوض عن حال الضعف لدى «فتح» وجود مشروع سياسي قادر على الصمود في وجه السياسة الإسرائيلية القائمة على ممارسة إرهاب الدولة والسعي إلى تكريس الاحتلال. هذا المشروع السياسي هو الذي تفتقده «حماس» التي تطلق شعارات وتمارس أعمالا تصب مباشرة في خدمة المشروع الإسرائيلي وفي خدمة الأنظمة التي تعتاش من سياسة الابتزاز واستمرار حال اللاحرب واللاسلم في المنطقة، تماما كما تريد إسرائيل. هل تدرك «حماس» هذا الواقع وتنتهز فرصة توقيع «إعلان صنعاء» للإلتفاف على الذين يستخدمون الشعب الفلسطيني وقودا ليس الاّ؟
في النهاية، لا بد من العودة إلى السؤال البديهي: هل تمتلك «حماس» حرية قرارها؟ هل تدرك كم كلّفت فوضى السلاح حتى الآن؟ هل تدرك الثمن الذي دفعه الشعب الفلسطيني في مقابل خطف جندي إسرائيلي؟ هل تدرك كم عدد القياديين الذين اعتقلتهم إسرائيل ردّا على خطف الجندي؟ هل تدرك كم كلف حصار غزة الشعب الفلسطيني؟
في الإمكان طرح عشرات الأسئلة الأخرى في شأن التصرف العبثي لـ «حماس» الذي أعاد القضية الفلسطينية إلى نقطة الصفر. وبين هذه الأسئلة: ما الذي يمنع الشعب الفلسطيني من إعادة ترتيب أوضاعه الداخلية والانتهاء من الكيانين المنفصلين القائمين حاليا؟ يوفر «إعلان صنعاء» فرصة للخروج من مأزق الكيانين والعودة إلى فكرة الدولتين. هذا الحل لم يمت بعد على الرغم من أن إسرائيل لم تعد مهتمة به، أقلّه في ظل الحكومة الحالية. ولكن هل هناك بديل منه غير استمرار النزاع العربي- الإسرائيلي إلى ما لا نهاية مع ما يشكله ذلك من مخاطر على الاستقرار في الشرق الأوسط؟
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن