| خيرالله خيرالله |
تبدو الانتخابات الرئاسية اليمنية خطوة في الطريق الصحيح نظرا الى انها مساهمة في ترسيخ عملية سياسية تصب في وضع حدّ للعنف بكلّ اشكاله. يفترض ان تستكمل هذه العملية عن طريق حصول تداول سلمي للسلطة يكرّس قيام نظام ديموقراطي يذهب فيه رئيس الدولة الى بيته لدى انتهاء ولايته الدستورية ويصبح «رئيسا سابقا»، على غرار ما هو معمول به في لبنان وفي العالم المتحضّر.
بقي لبنان، بين الانظمة الجمهورية طبعا، استثناء عربيا منذ استقلاله، على الرغم من كلّ المحاولات التي بذلها النظام السوري لتخريب كلّ شيء فيه بما في ذلك الدستور والاحترام الدقيق لكلّ مواده، على رأسها تلك المتعلقة بمدة ولاية الرئيس... وعسكرة الرئاسة!
دخل اليمن مرحلة جديدة مع اختيار المشير عبدربه منصور هادي رئيسا لمرحلة انتقالية لمدة سنتين. جاءت الانتخابات، على الرغم من المقاطعة الجزئية في الجنوب وموقف الحوثيين في اقصى الشمال، لتؤكد وجود رغبة شعبية في كسر حلقة العنف.
عكست نسبة المشاركة في الانتخابات، وهي نسبة مرتفعة الى حدّ ما، ان الشعب اليمني يتوق، في معظمه، الى الانتقال الى مرحلة جديدة والخروج من المأزق الذي يعاني منه البلد منذ فترة لا بأس بها. يتمثّل هذا المأزق في دوران السلطة القائمة في صنعاء على نفسها، هي والاطراف المعارضة لها داخل العاصمة. ففي وقت كانت تدور فيه اشتباكات في صنعاء، كان الوضع في انحاء مختلفة من البلد، من اقصى الشمال الى اقصى الجنوب، يتدهور بشكل مريع. كان الخوف كبيرا من تفتت البلد بعد تحوله اسير اسوار صنعاء والنزاعات ذات الطابع العائلي والقبلي التي انتقلت الى داخل العاصمة.
من هذا المنطلق، يمكن ان تؤسس الانتخابات لبداية لصيغة جديدة يبدو البلد في حاجة اليها اكثر من اي وقت من اجل انقاذ نفسه من الحروب الداخلية المعروف كيف تبدأ وليس معروفا كيف يمكن ان تنتهي.
تختصر هذه الصيغة الجديدة مجموعة من التحديات تواجه الرئيس عبدربه منصور هادي ورئيس الوزراء السيّد محمد باسندوه.
قبل كلّ شيء، لا بدّ من ملاحظة ان رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء جنوبيان وذلك للمرّة الاولى في التاريخ الحديث لليمن. وهذا لعب، الى حدّ ما، دورا كبيرا في عدم حصول مقاطعة جنوبية كاملة للانتخابات الرئاسية. صحيح ان لدى «الحراك الجنوبي» مطالب محقّة في ضوء الظلم الذي تعرّض له الجنوبيون في مرحلة ما بعد صيف العام 1994 لدى انتصار الرئيس علي عبدالله صالح في حرب الانفصال، لكنّ الصحيح ايضا ان هذه المطالب فقدت الكثير من بريقها بسبب وجود عبدربه منصور وباسندوه على رأس هرم السلطة.
المهمّ الآن حصول تسلم وتسليم للسلطة بشكل طبيعي وان يفكّر اليمنيون في المستقبل بدل البقاء في اسر الماضي وعقده. قبل كلّ شيء، ان اليمن يتسع للجميع، لكنّ الحاجة ملحة الى صيغة جديدة تساهم في تسوية مشكلة الحوثيين الطامحين الى التوسع وحتى الى ان يكون لهم ميناء بحري في محافظة حجة هو ميناء ميدي. انها مشكلة في غاية التعقيد ومتعددة الوجه وفي غاية التعقيد في غياب سلطة قادرة على الذهاب الى معالجتها من الجذور.
الاكيد ان مشكلة الحوثيين ليست الوحيدة في اليمن. من الواضح، بعد الاحداث الاخيرة والاضطرابات التي استمرّت ما يزيد على سنة ان الوسط الشافعي يسعى الى ان يكون له ثقله السياسي وألا تكون صنعاء مركز كلّ القرارات. ومناطق الوسط اليمني التي فيها الكثافة السكانية الاكبر في البلد لا يمكن عزلها عن الجنوب، خصوصا ان هناك روابط اقتصادية واجتماعية قديمة وراسخة بين عدن من جهة وتعز من جهة اخرى. وتعز هي عاصمة المنطقة الوسطى في اليمن واكبر مدينة في البلد. كذلك يتحدر منها معظم كبار التجار، في حين ان كبار التجار الحضارمة موجودون خارج اليمن...
يمكن الغوص في مشاكل كثيرة معقدة يعاني منها اليمن. يمكن البدء بالازمة الاقتصادية والنمو المرعب للسكان والبرامج التربوية المتخلّفة والمدارس والجامعات التي تحوّلت مراكز لانتاج التطرف والمتطرفين... والانتهاء بـ «القاعدة» والفساد بكلّ انواعه.
هذا يعني في طبيعة الحال ان كميّة التحديات امام الرئيس الجديد ضخمة وان ذلك سيفرض عليه الاستعانة بفريق عمل من ذوي الكفاءات، كما سيكون مطلوبا من الدول الخليجية التي لعبت دورا اساسيا في وصوله الى الرئاسة مساعدته. في النهاية، لا مصلحة خليجية في ايّ انفلات في اليمن نظرا الى التعداد الكبير لليمنيين من جهة والى الموقع الاستراتيجي للبلد من جهة اخرى.
الاكيد ان اليمن سيبقى في السنتين المقبلتين تحت رقابة اميركية شديدة كون امنه جزءا لا يتجزّأ من الامن الخليجي، اي من امن النفط والطرق التي يسلكها، خصوصا في ظلّ المحاولات الايرانية المستمرة لاختراق البلد من كلّ الجهات وعلى كلّ الصعد. لم يخف الاميركيون يوما ان اكثر ما يهمّهم في اليمن هو «القاعدة» ووجودها في مناطق معينة بعيدا عن اي سلطة!
هل تنقل المرحلة الانتقالية اليمن الى برّ الامان؟ لا شكّ ان عبدربه منصور يمتلك كفاءات كثيرة وخبرة طويلة في العمل السياسي. ولا شكّ ايضا ان طريقة انتقال السلطة اليه من علي عبدالله صالح يمكن ان تساعد في تأمين فترة هدوء تسمح بالتفكير في الصيغة الجديدة للبلد. انها صيغة لا يمكن الا ان تقوم على اللامركزية الموسعة الى اقصى حدود وعلى تطوير الدستور المعمول به. لا بديل من هذه الصيغة الجديدة التي لا تشكل حماية لليمن فحسب، بل للمنطقة المحيطة به ايضا، المنطقة الخليجية حيث النفط ومنطقة القرن الافريقي حيث تكفي العالم مشكلة الصومال غير القابلة لحلّ الى اشعار آخر! هل يمكن للمنطقة والعالم تحمّل صومال اخرى؟
كاتب لبناني مقيم في لندن