يعيش لبنان بين خطورة شخص اسمه حسن نصرالله الأمين العام لـ «حزب الله» الذي لا يمكن أن يخطئ، كونه الممثل الشرعي الوحيد لحزب رب العالمين على الأرض... وحماقة النائب ميشال عون، حليف نصرالله، الذي يعتقد أنه يمثل المسيحيين في لبنان علماً أن ليس في استطاعته أن يجد أي قاسم مشترك مع حليفه. هل يستطيع ميشال عون إرسال زوجته أو ابنته لحضور مهرجان لـ «حزب الله» حيث الفصل الواضح بين الرجال والنساء وحيث لا يجوز للرجل السلام على المرأة نظراً إلى أنها «عورة»؟ لا قاسم مشتركاً بين خطورة نصرالله وحماقة ميشال عون سوى المصلحة. إنها مصلحة قائمة على الأخذ والعطاء والبيع والشراء لا أكثر. هل في استطاعة ميشال عون أو حسن نصرالله الإجابة عن سؤال في غاية البساطة هو الآتي: ما هو المشروع الأميركي للمنطقة؟ اكتفى «حزب الله» في رده على وثيقة الرابع عشر من آذار بالإعلان أن الاستقلاليين في لبنان «قدموا طلب انتساب إلى المشروع الأميركي»، ما هو رد ميشال عون وأزلامه غير الكلام الفارغ الذي لا معنى له؟ الأمر الوحيد الأكيد حتى الآن أن هناك تخبّطاً أميركياً في المنطقة، وأن الهدف المكشوف للحزب المذهبي المسلح الذي يحمل اسم «حزب الله» إخضاع لبنان خدمة للنظامين الإيراني والسوري. هذان النظامان يسعيان بكل وقاحة إلى عقد صفقة مع الإدارة الأميركية على حساب لبنان واللبنانيين لا أكثر. «حزب الله» ليس سوى أداة تستخدم لتحقيق مثل هذه الصفقة. أما ميشال عون فهو أداة لدى الأداة الساعية إلى تسهيل عقد صفقة على حساب لبنان...
لعل أهم ما كشفته الوثيقة الصادرة عن المؤتمر الأول لقوى الرابع عشر من آذار زوال عامل الخوف من القوى المتربصة بلبنان على رأسها المحور الإيراني السوري وأدواته المحلية كـ «حزب الله» وأدوات الأدوات المُستأجرة كالنائب ميشال عون الذي كان تجاهلا تاما له، نظراً إلى أنه يؤدي الدور الوحيد الذي يتقنه والمتمثل في المحاضرة... بالعفاف! هل من حدود لحماقة ميشال عون الذي يقبل التعاطي مع «حزب الله»، علماً أن ليس ما يجمع بينه وبين الحزب؟
مرّة أخرى، هل يقبل ميشال عون بوضع زوجته وبناته في مكان منعزل عن الرجال، كما يفعل «حزب الله» حيث ممنوع على الرجل السلام باليد على المرأة بصفة كونها «عورة»؟ ما الذي يجمع بين ميشال عون الذي يعتبر نفسه جزءاً لا يتجزأ من المجتمع اللبناني وحزب يرى في زوجته «عورة»؟ أوليس ذلك ذروة خيانة لكل ما له علاقة بالقيم اللبنانية والمسيحية التي يدّعي المهرج برتبة جنرال الدفاع عنها؟
نعم زال عامل الخوف بعدما تكشفت الأدوار كلها. «حزب الله» يتهم الاستقلاليين في لبنان بطلب الانتساب إلى المشروع الأميركي في حين أن مرجعيته الإيرانية دخلت في تحالف مع الأميركيين من مساعدتهم في احتلال العراق. كانت الجمهورية الإسلامية في إيران القوة الإقليمية الوحيدة التي دعمت الاحتلال الأميركي للعراق عن سابق تصوّر وتصميم. لا حاجة إلى استعادة الوقائع ابتداء من مؤتمر لندن للمعارضة العراقية الذي نظمه الأميركيون في ديسمبر من العام 2002 وكيف تكفل النظام الإيراني بارسال ممثلي الأحزاب الشيعية الكبرى إليه. كان في مقدم الذين جاؤوا إلى لندن للمشاركة في المؤتمر الذي أشرف عليه زلماي خليل زاد، السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة حالياً، السيد عبد العزيز الحكيم الذي صار لاحقاً زعيم «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية» المشارك في السلطة التي ركبّها الأميركيون في بغداد. هل يمثل الأميركي قوى الخير في العراق بينما يمثل قوى الشر في لبنان؟ ما الفارق يين عبد العزيز الحكيم والسيّد حسن نصرالله من الزاوية الإيرانية؟ الأوّل يظهر بالصوت والصورة مع بوش الابن في البيت الأبيض والآخر يقول إنه ضد الرئيس الأميركي. أليس الاثنان تابعين لمرجع واحد في طهران؟ على من يضحك «حزب الله»؟ هل يريد أن يقنعنا بأن إيران لم تكن القوة الإقليمية الوحيدة التي اعترفت بمجلس الحكم الانتقالي في العراق؟ كان المجلس الهيئة الأولى التي شكلها الأميركيون بعد إسقاطهم نظام المقابر الجماعية الذي أقامه صدّام حسين. لكنه كان مجلساً ذا طابع مذهبي ساهم إلى حد كبير في انفلات كل أنواع الغرائز في العراق ودخول البلد في حرب أهلية. هل الحرب الأهلية من بين أهداف النظام الإيراني في لبنان أيضاً عبر تسليحه «حزب الله» وإنشاء ميليشيا مذهبية في البلد مع تشجيع ميشال عون على إيجاد شرخ في الصف المسيحي؟
كان مهماً أن تؤكد قوى الرابع عشر من آذار زوال الأوهام كلها، بما في ذلك وهم «المقاومة». كان الدكتور فارس سعيد فارساً حقيقياً، عندما وضع باسم قوى الرابع عشر من آذار النقاط على الحروف في شأن كل ما له علاقة بـ «المقاومة». «المقاومة» على الرأس والعين عندما تكون مقاومة للعدو الإسرائيلي. كانت كذلك حتى العام 2000. لكن «المقاومة» تصبح ميليشيا مذهبية تخدم النظام السوري وتغطي جرائمه وتخدم المخططات الإيرانية، عندما ينصب همها على إثارة النعرات المذهبية في البلد وعلى احتلال الاملاك الخاصة والعامة في قلب بيروت بما يخالف كل الشرائع السماوية والقوانين المدنية.
قبل نحو أسبوع من الموعد المقرر للقمة العربية في دمشق، قال لبنان كلمته عبر المؤتمر الأول لقوى الرابع عشر من آذار. سمّى الأشياء بأسمائها من دون خوف أو وجل. أبلغ كل من يعنيه الأمر أن قوى الرابع عشر من آذار لا تحتاج إلى شهادات في الوطنية لا من النظام السوري ولا من النظام الإيراني اللذين يتوزعان الأدوار في المنطقة مع إسرائيل. لبنان يشرّف القمة العربية لا أكثر ولا أقل. حضور لبنان يجعل من القمة العربية قمة، في حال كان هناك ما يمكن تسميته قمة عربية. وربما كان الأهم من ذلك كله أن قوى الرابع عشر من آذار نقلت المعركة إلى حيث يجب، أي إلى مكانها الحقيقي والطبيعي. إنها معركة بين ثقافتين، ثقافة السلام وثقافة العنف، وذلك على صعيد العالم العربي كله وليس لبنان وحده. إنها معركة بين ثقافة الحياة وثقافة الموت. إنها معركة بين مجتمع منتج ومجتمع يطمح إلى أن يعتاش من المساعدات والصدقات. يفهم «حزب الله» ذلك جيداً. يعرف أنه لا يستطيع إقامة دولة خاصة به في لبنان مزدهر وحضاري. ولذلك ليس أمامه سوى نشر البؤس حيث حل. ولذلك أيضاً، يسعى إلى استعادة تجربة بغداد في بيروت، كي تكون هناك متاريس بين الأحياء والطوائف والمذاهب داخل المدينة الواحدة. هل يفهم ميشال عون هذه المعادلة... أم أنه تلقى جرعة دعم من نوع ما تنسيه أن عليه أن يفهم، هذا إذا كان في استطاعته أن يفهم شيئاً؟
المهم أن قوى الرابع عشر من آذار استعادت المبادرة بعد مخاض طويل. ما يدل على ذلك الرد الباهت لـ «حزب الله» على الاستقلاليين فيما كان «الجنرال» يتظاهر بالجدية، وهو يقرأ بياناً كتب له، لكنه لا يفهم ما معناه. لو كان يفهم معنى ما قرأه لكان عليه أن يشعر بالخجل. أراد أن يفتخر بمنجزاته العظيمة قبل تسعة عشر عاماً، عندما لعب كل الأدوار المطلوبة منه كي يهجّر اللبنانيين على رأسهم المسيحيون وينشر الخراب والدمار في مناطقهم... ويسهل دخول السوريين إلى قصر بعبدا ووزارة الدفاع. هناك من يعتبر الهزائم التي لحقت بلبنان واللبنانيين انتصارات له! حقاً، الذين استحوا ماتوا! هناك حقاً من لا يستطيع أن يفهم ما يعنيه أن يعيش لبنان بين خطورة حسن نصرالله... وحماقة ميشال عون!
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن