حميد المالكي / لبنان بين التوريث والتحديث

تصغير
تكبير
حميد المالكي



الذين أرادوا إطفاء الشمعة اللبنانية لم يكتفوا بإشعال الحرب الأهلية، بل راحوا اليوم يصدرون له منظمات إرهابية متطرفة تلبس أردية الدين الحنيف ومن مناشئ متعددة مثل العراق الذي أغرقه الإرهابيون ببحر من الدماء والاشلاء الممزقة، فمعركة نهر البارد ما كان لها لتستمر مدة طويلة لولا أن هناك دعماً خفياً لها وما كان لها أن تبدأ لولا استغلال ضعف الدولة اللبنانية ووضعها المأزوم، ولولا أن هناك أخطبوطاً يضرب في كل اتجاه وتدخلاً معادياً وخططاً جاهزة للعـــــبث بأمــــن لبنــــان وســـلامــة ابنائه تحت مسميات وعناوين جديدة، وكلها تستهدف لبنان واطفاء وهجه المعرفي واشعاعه الحر واضــعاف روح المقاومة في نفوس مواطنيه.

لكن الشيء المحيّر في الوضع اللبناني والذي يقض مضاجع المفكرين والسياسيين في العالم العربي على الاقل انه وبعد مرور عشرات الأعوام على الاستقلال والمتغيرات الكبرى التي حدثت في العالم الا ان الطبقات والاقطاعيات والبيوتات التي تحكم لبنان وتتحكم في مصيره وثرواته هي هي لم تتغير، وانما تتناسل وتتوارث الحكم على القواعد والأسس نفسها التي قامت عليها الدولة اللبنانية من محاصصة وتقسيم للسلطة والثروة والاقطاعيات ومناطق النفوذ، ولم تستطع الأجيال الجديدة أن تجد لها مكاناً لا في الحكم ولا حصة في الثروة، ودائماً تصطدم بجبروت تلك البيوتات والطبقات والفئات، فيلجأ شباب تلك الأجيال الى الهجرة بكفاءاتهم وآمالهم وأحلامهم وآلامهم حاملين الوطن في قلوبهم لمواجهة مصائب الغربة وأثمانها الباهظة بعدما يصطدمون بالاحباط واليأس وانغلاق الفرص كافة أمامهم: فرص الدراسة والعمل والزواج والمشاركة في صنع القرار وهذا كله يتناقض مع القوانين الاجتماعية وحركة وتفاعل العوامل الموضوعية والذاتية والفلسفة العلمية في مجال الصراع والتطور.

واعتقد كما غيري من المتابعين والدارسين للظاهرة اللبنانية أن تلك البيوتات والطبقات القديمة العتيقة استطاعت وفي كل مرة ان تنتج نفسها من جديد كلما اقترب التحديث منها، بعدما ادركت الكيفية التي يمكن لها أن تتلاعب بقوانين الصراع الاجتماعي وتؤثر في قواه وتوازناته وتحرف وجهته ومساره الى طريق آخر، بعيداً عن سلطاتها السياسية والروحية، بحيث يبقى الصراع معها صراعاً اعلامياً يتخذ أحياناً طابع الاحتجاجات والاضرابات والمظاهرات التي سرعان ما يتم احتواؤها وامتصاص آثارها، حتى جعلت ذلك الصراع القائم بينها وبين الأجيال الجديدة والقوى الحيَّة في المجتمع صراعاً مسيطراً عليه ولا يهدد مصالحها السياسية والاقتصادية الطفيلية وسلطاتها الروحية، ولا تخشى منه، لأنه سرعان ما يزول ويتوارى، بل يزيدها ذلك تمسكاً واصراراً على الاستمرار بامتلاك لبنان بالضد من ارادة شبابه والقوى المنادية بالتحديث والمناهضة لتلك القبضة الشريرة التي ناخت بكلكلها على لبنان منذ استقلاله وربما الى المستقبل القريب اذا لم يستطع اللبنانيون وقواهم الحيَّة أن يغيروا من استراتيجياتهم وبرامجهم وتكتيكاتهم لمواجهة تلك القوى التي تجاوزها التطور التاريخي، والتي لم تجلب الى لبنان غير الفقر والبطالة والغلاء والخراب والدمار والحروب الطاحنة، والتي أضعفت لبنان وجعلته ساحة لقوى الإرهاب وتصفية الحسابات.


حميد المالكي

كاتب عراقي

[email protected]

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي