لقد عُرِفَ منبر الجمعة من كل أُسبوع في بلاد العالم أنه مكان يرتقيه أهل العلم والحكمة والوعي، ولا ننسى أنه منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن ربما وصل بنا القصور في وعينا والضعف في ارتباطنا بصُلب الدين أنْ نظنَّ أنَّ أداءنا للصلاة وارتقاءنا للمنابر فقط من دون العناية بالجوهر يُسوِّغُ لنا أن نسلك منحنىً نحكم فيه على نوايا الناس ونُصنِّفهم، إنما شُرعت العبادة وكانت الصلاةُ صلة بين العبد وربه وسبباً لتطهير النفس والارتقاء بها نحو الصلاح وحُسن الظن، وليس ارتباط المرء بالعبادة أمراً شكلياً؛ وحين تزيغ قلوب الساسة ويحتار القادة نتوقع من علماء الأمة أن يدقّوا ناقوس الخطر ليدلوا الناس على الطريق الصحيح، لا أن نسمع منهم ما يثير العواطف ويشجِّع على الفوضى أو القتل، أو استغلال مساحات الحرية التي لا يَعرفُ نعمتَها إلاّ مَنْ حُرمَ منها! وللأسف كان لمعظم علماء المسلمين أو مَنْ يأخذ مكانهم دوْراً يفتقر إلى الحكمة بل وُظِّفَ الفقه في غير محلِّه حتى سُفكتِ الدماء واتسعت دائرة الفوضى؛ فخلافاً لما يقول الكثيرون بمباركة خروج الأميركيين من العراق، وفي هذا التوقيت تحديداً لا أرى إلاّ جانباً آخر من فصول الفوضى الخلاّقة التي ترعاها أميركا في المنطقة وبأدوات دينية ومذهبية، والعراق طينة خصبة وجاهزة مسبقاً لمزيد من الفوضى؛ والقتل اليومي في العراق مستمر منذ بداية الحرب الأميركية عليه ولم يتوقف يوماً واحداً ويؤسفنا أنه لن يتوقف بل إن خوف العراق من دخوله دائرة أفظع من الفوضى دفعه ليدعم البروتوكول العربي بشأن الأزمة في سورية ووقف في وجه ما يسمى بالعقوبات عليها.
فوضى تتجدد وقتلى يسقطون في مصر، وأعجب ما في الأمر قول رئيس الوزراء المصري كمال الجنزوري: «هناك بلطجية ومندسّون»، أمر عجيب حقاً، مندسّون؟ وفي مصر أيضاً؟! يعني في مصر هؤلاء بلطجية ومندسون، وفي تركيا الأكراد متمردون، وأهلنا في غزَّة متهوّرون، وفي لبنان «حزب الله» مغامرون، وفي البحرين مُستوْرَدون، أما في سورية فهم وطنيون وصادقون ومجاهدون وسِلْميّون ولو أنهم مُسلَّحون، فعلى نيّاتهم يُبْعثون! والله عليمٌ بما تصنعون، وأقمِ الصلاة.
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
[email protected]