علي سويدان / وجبة سريعة

تصغير
تكبير
إذا هاجمك الاخطبوط في المحيط فإنه من السذاجة أن تنشغل بمناورة أياديه الكثيرة تاركاً رأسه ليستنشق الهواء الْمُذاب في الماء! وكذلك نحن العرب حين نناور إسرائيل وننشغل عن رأسها في القدس وتل أبيب ونغرق بمعارك مختلقة كحرب مصر مع اليمن وكحرب العراق مع إيران، أو حين هربنا من فلسطين إلى أفغانستان تحت مسمى الجهاد وتركنا إسرائيل تذبح العرب في فلسطين وجنوب لبنان والجولان كل ذلك في القرن الميلادي المنصرم، وقبولنا بعد ذلك بمسرحية الحرب على الإرهاب بل مشاركتنا لأميركا هذه الأكذوبة، نكون بذلك نناور أيدي الاخطبوط الإسرائيلي تاركين رأسَهُ لِيُدبِّرَ المزيد من القضايا المفتعلة لنبقى منشغلين بها وتبقى إسرائيل في مأمن وسلام، يوم كانت «حماس» حماساً يقضُّ مضجع إسرائيل في العمق كانت إسرائيلُ تحسب حساب الفلسطينيين وتهاب بسبب ذلك رأس الدولة ياسر عرفات، ولم تستطِعْ يومها التمييز أو التفريق بين «حماس» و«فتح» وغيرها من الفصائل لأننا في وقت مضى أعطيناها لوناً واضحاً من الوحدة في الصف والمصير، وعلى النقيض من ذلك أتحنا لها اليوم بِفُرْقَتِنا أنْ تسرح وتمرح؛ يوم لبست «حماسُ» أثواب الوزارة في غزة وانحرف السلاح الفلسطيني نحو صدور الفلسطينيين، والآن التهى العربُ كعادتهم بظروف يُدفعون إليها لِيَنشغلوا عن الاتجاه نحو وحدتهم. لِنرى كيف تبدو إسرائيل بريئة اليوم هادئة لا صوت لها! ولماذا يكون لها صوت أو تُتْعب نفسَها مادُمنا وفَّرْنا عليها الرصاص والسلاح ومؤونة القتال، وها نحن نخرب بيوتنا بأيدينا! وندفع فواتيرَ ما نُسمّيه (ثورات) من دماء شبابنا ومن رصيد تقدُّمنا، ونُشعل فتيل الفوضى بتسرُّعنا، ونصرف من أموالنا وثروات الأمة على ذلك كله، من حيث لا ندري نحن نُرضي الاخطبوط الإسرائيلي وننفذ مخطَّطاته؛ هذا الاخطبوط يصل نفوذُه إلى الداخل الأميركي مالياً واجتماعياً ويُوجِّه سيْرَ الدعاية وترشيح وانتخاب أيِّ رئيس أميركيّ، أمّا العرب الذين يدُسّون رُؤوسَهم في الرمال، ويعتقدون ألا ناقة لهم ولا جمل في هذا الكلام، فالاخطبوط الإسرائيلي حين ينتصر هو وحلفاؤُه سيكون هؤلاء المتفرجون من العرب وجبةً خفيفةً وسريعة أمامه!



علي سويدان

كاتب وأكاديمي سوري

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي