يصعب توجيه أي انتقاد للانتخابات التونسية. هناك شبه اجماع لدى المراقبين الدوليين على أن انتخابات المجلس التأسيسي، الذي سيتولى وضع الدستور الجديد للبلد، جرت في ظروف طبيعية وأجواء ديموقراطية إلى حدّ ما، علما أن استخدام المال فعل فعله في دعم مرشحين ينتمون إلى أحزاب معيّنة. كان تقدم «النهضة» على الأحزاب الأخرى طبيعيا، ذلك ان «الاخوان المسلمين» في تونس منظمون، بل انهم الحزب الوحيد الذي يمتلك تنظيما حقيقيا في البلد. إضافة إلى ذلك، أنهم يمتلكون إمكانات ليست متوافرة للآخرين!
جاء انتصار «النهضة» في وقت كانت الاحزاب اليسارية والعلمانية، تتلهى في تصفية الحسابات في ما بينها بدل تشكيل جبهة عريضة يمكن أن تشكل في المستقبل حاجزا في وجه الذين قد يحاولون جعل تونس بلدا متخلفا على كل صعيد تحت شعارات دينية تخفي طموحات سياسية ولا شيء آخر...
مع انهيار الحزب الحاكم، «التجمّع الدستوري الديموقراطي»، نتيجة سقوط النظام الفردي الذي أقامه الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، قفز «النهضة» إلى الواجهة مستفيدا من الفراغ السياسي في البلد. كيف سيوظّف الحزب الاسلامي انتصاره الانتخابي هو السؤال الذي يطرح نفسه حاليا؟
هل سيكرّس الغاء الحياة السياسية في تونس على غرار ما فعله بن علي الذي كان يكره رؤية سياسيين حقيقيين يمتلكون حيثية ما حوله أو في المعارضة، أم سيلعب دورا في إحياء الحياة السياسية بما يشجع قيام أحزاب أخرى تمتلك برامج سياسية واقتصادية واجتماعية خاصة بها لا تتفق بالضرورة مع رؤية زعيم «النهضة» الشيخ راشد الغنوشي لتونس والعالم؟ هل يؤمن «النهضة بالتداول السلمي للسلطة عن طريق صناديق الاقتراع، أم أن الانتخابات المقبلة، التي يفترض أن تلي صياغة الدستور ستكرس حكم الحزب الواحد، فتتكرر في تونس تجربة «حماس» في قطاع غزة؟
الى الآن، صدرت إشارات مطمئنة عن الغنوشي وغيره من القياديين في «النهضة». كانت الإشارة الإيجابية الأولى تلك المتعلقة بحقوق المرأة والرغبة في المحافظة على المكاسب التي حققتها في عهدي بورقيبة وبن علي. هناك إشارة إيجابية أخرى مرتبطة بالرغبة في عدم احتكار السلطة والانفتاح على القوى السياسية الأخرى في سياق السعي الى تشكيل حكومة جديدة برئاسة السيد حمادي الجبالي الأمين العام لـ«النهضة». هل الانفتاح تعبير عن رغبة صادقة في الانفتاح على الآخرين أم مجرد خطوة ذات طابع تكتيكي تصب في مشروع اكبر هدفه النهائي تغيير طبيعة المجتمع التونسي؟
ما يدعو إلى التعامل الحذر مع «النهضة» الكلام الذي يصدر عن الغنوشي وغيره عن «التعريب». ليس مفهوما بعد المقصود بـ«التعريب». هل المطلوب نقل التجربة الجزائرية الفاشلة إلى تونس... أم نشر الجهل في انحاء البلد وفي كل الأوساط بغية السيطرة بطريقة أفضل على التونسيين وتدجينهم باسم الدين من جهة ورفض الآخر من جهة أخرى؟
الثابت أن مستوى اللغة العربية في تونس بين أفضل المستويات في العالم العربي. الثابت أيضا أن تعلّم اللغات الاجنبية، خصوصا الانكليزية والفرنسية يساعد كثيرا في تطوير اللغة العربية عند الذين يتكلمونها أو يكتبون بها. ما المقصود إذا بالكلام عن «التعريب» بدل الكلام عن كيفية رفع مستوى التعليم في تونس التي لا تمتلك ثروات طبيعية تذكر؟
على الصعيد العملي، لدى تونس ثروة مهمة اسمها الإنسان الذي يمتلك حدّا ادنى من الثقافة والقدرة على التعاطي مع كلّ ما هو حضاري في هذا العالم. فما لا يمكن تجاهله في أي لحظة أن تونس على مرمى حجر من القارة الأوروبية وأنها في حاجة مستمرة الى تطوير قدرات المواطن العادي بغية تمكينه من أن يكون عنصرا فاعلا في كلّ ما من شأنه تحسين الاقتصاد والوضع الاجتماعي في البلد بدل السعي الى الهجرة بأي شكل من الاشكال وبأي وسيلة متوافرة. وهذا يشمل في طبيعة الحال العمال المؤهلين للعب دور في زيادة حجم الصناعات التحويلية التي تشغل مكانا مميزا في الاقتصاد التونسي من جهة وتوسيع القطاع السياحي من جهة اخرى. من دون الصناعات التحويلية والسياحة والزراعة، طبعا، سيتضاعف عدد العاطلين عن العمل في تونس. هل هناك تفكير لدى «النهضة» في مستقبل تونس وفي كيفية تعزيز وضع الطبقة المتوسطة التي تشكل العمود الفقري للمجتمع... أم المطلوب زيادة عدد البائسين من اشباه الأميين العاطلين عن العمل الذين يسهل السيطرة عليهم باسم الدين والشعارات الطنّانة؟
في كلّ الاحوال، كانت الانتخابات التونسية ظاهرة صحية. ولكن ماذا بعد الانتخابات التي شابتها، بين ما شابها، تجاوزات طاولت قائمة السيد الهاشمي الحامدي الذي كان قريبا من الغنوشي في الماضي؟
كان لافتا تحقيق تلك القائمة نتائج طيبة فاجأت كلّ الذين تابعوا الانتخابات وربما فاجأت قياديي «النهضة» حتّى. الأكيد أن التجاوزات لا تلغي ايجابيات الانتخابات التونسية، لكنها تستوجب التعاطي بحذر مع الرغبة في الانتقام من شخصيات معينة يفترض ان يكون لها مكان في الخريطة السياسية للبلد ما دامت تمتلك قاعدة شعبية في مناطق معينة.
هل تستغل الاحزاب الاخرى الاشهر المقبلة من اجل تطوير نفسها وتنظيم صفوفها كي تلعب دورا على صعيد تعزيز الحياة السياسية ونشر الديموقراطية، أم تستسلم لـ«النهضة» تماما كما استسلمت للحزب المهيمن في عهد بن علي؟
تبدو التجربة التونسية في غاية الأهمية. ستكشف حقيقة نيات الاخوان المسلمين وقدرة المجتمع التونسي على المقاومة. انها مقاومة لأي محاولة تستهدف العودة الى احتكار حزب واحد كبير للحياة السياسية في البلد وأي محاولة للعودة بتونس الى خلف، أي الى التخلف والجهل، باسم «التعريب» احيانا والرغبة في الانتقام من عهدي بورقيبة وبن علي تحت شعار التصدي لـ «التغريب» في أحيان أخرى. منذ متى كان الاقتداء ببعض محاسن الغرب تهمة، ثم هل وجد راشد الغنوشي مكانا آخر غير الغرب يلجأ اليه عندما تعرّض لظلم في عهد بن علي؟
خيرالله خيرالله
كاتب لبناني مقيم في لندن