يبدو أن الادارة الاميركية بقيادة الرئيس باراك اوباما اصبحت حائرة عند اتخاذ اي قرار سياسي او اقتصادي يعرقل نشاط استئناف المفاوضات المباشرة بين الحكومة الاسرائيلية والسلطة الفلسطينية، خصوصاً في ما يتعلق بالمعونة الفلسطينية، فحكومة الرئيس اوباما اليوم تسعى جاهدة لاقناع الكونغرس بالافراج عن 200 مليون دولار هي معونة للسلطة الفلسطينية قد تم تجميدها بسبب محاولة السلطة للفوز باعتراف الامم المتحدة بالدولة الفلسطينية على الرغم من اعتراضات الولايات المتحدة واسرائيل، واليوم تجري الحكومة الاميركية مناقشات مكثفة مع شرعيين رئيسيين يعارضون فكرة الافراج عن هذه المعونة الاميركية لانها تعتبر مصدر مخاوف بالنسبة لبعض اوساط الكونغرس بينما تعتبر هي شريان حياة مالي للسلطة الفلسطينية!
لقد قام مشرعون في مجلسي الشيوخ والنواب الاميركي بتجميد تدفق المعونة المالية الاميركية الى السلطة الفلسطينية من الاسابيع الاخيرة والتي كانت مخصصة للسنة المالية 2011م، وهذا ما اكدته النائبة الجمهورية «كاي جرانجر» رئيسة اللجنة الفرعية في مجلس النواب التي تشرف على المعونات الخارجية، وافادت انها ايدت في اغسطس الماضي قرار تجميد المعونة حتى يتم حل مسألة الدولة الفلسطينية في الامم المتحدة، حيث انها تراقب عن كثب ما يجري في الامم المتحدة لتعيد النظر في تقييم الوقف منذ ان عرض الرئيس الفلسطيني محمود عباس الشهر الماضي طلباً رسمياً على مجلس الامن التابع للأمم المتحدة للاعتراف بالدولة الفلسطينية واعطائها جميع الحقوق المفروضة متجاهلاً فيه تهديد الولايات المتحدة باستخدام الفيتو «حق النقض» اذا جرى التصويت عليه... في حين اوساط سياسية فلسطينية بينت ان الازمة الدائرة حالياً ذات شقين، احدهما سياسي والآخر فني، لذا يستطيع الرئيس الاميركي اوباما عدم الالتزام بقرار الكونغرس المتعلق بوقف المساعدات الاميركية المقدمة للسلطة ان اراد الالتفاف حوله كما حصل في عام 2006 ولكنه كما نرى يتعرض الرئيس اوباما الى ضغوط كبيرة من معظم اعضاء الكونغرس من الحزبين «الديموقراطي» و«الجمهوري» الذي يهمن عليه اللوبي الاسرائيلي هيمنة كاملة، ولعلنا لاحظنا ذلك من خلال خطابه امام الجمعية العمومية الذي لا يخرج عن اطار ابتهاله امام اللوبي الاسرائيلي في واشنطن، ولجوئه الى استعمال خطاب لم نسمعه منذ السبعينات والثمانينات والتسعينات، وتحديداً منذ ان وقعت مصر اتفاق سلام مع اسرائيل عام 1979، مبيناً ان «اسرائيل دولة صغيرة ومحاصرة من قبل اعداء كثيرين»، يا للعجب كيف تغيرت الامور والوعود الرئاسية!
فلا يمكن ترجمة خطاب الرئيس اوباما الاخير الا من منظار مساعيه الحصول على تأييد اللوبي الاسرائيلي من اجل الفوز بولاية ثانية، وتنافسه في جهوده مع هيمنة ذلك اللوبي على معظم اعضاء الكونغرس الاميركي.
وفي سياق وقف المساعدات الاميركية على السلطة، ابدت دول عربية واسلامية استعدادها لتعويض الفلسطينيين عن اي نقص يسببه قطع المساعدات الدولية، حيث ان مقدار المساعدات الاميركية للسلطة الوطنية منذ عام 94 قد بلغ 2.4 مليار دولار اي بواقع 150 مليون دولار في العام، اضافة الى حوالي 1 مليار دولار قدمتها الولايات المتحدة عبر المنظمات غير الحكومية العاملة في فلسطين، وما مجموعه 80 مليون دولار سنوياً، تقدم لوكالة غوش، وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الاونروا»، ومن هذه المبالغ اعلاه، قدمت الولايات المتحدة 200 مليون دولار لدعم موازنة السلطة الوطنية، اما بقية المبالغ فتصرفها الوكالة الاميركية للتنمية (USAID) عبر الشركات الاميركية التي بدورها تحيلها الى الشركات الفلسطينية لتنفيذ اجندة مشاريع البنية التحتية من مياه وطرق وغيره، فالولايات المتحدة صرفت مبلغ 325 مليون دولار لدعم النمو الاقتصادي، و131 مليون دولار للشباب والتعليم، و374 لترويج عملية الديموقراطية في فلسطين، و262 مليون دولار لدعم قطاع الصحة والمساعدات الانسانية، والبقية لقطاع البنية التحتية.
من جانب آخر، اكد الاتحاد الاوروبي من خلال وزيرة خارجية الاتحاد السيدة «كاثرين اشتون» ان الاتحاد الاوروبي سيسعى للوفاء بكامل التزاماته المالية نحو السلطة الوطنية، وان الاتحاد الاوروبي لن يربط المساعدات المالية بالموقف السياسي الفلسطيني في الامم المتحدة.
ومن خلال ما طرح نريد ان نشير هنا الى ان تعطيل الاموال الاميركية للسلطة الفلسطينية أخيراً من قبل الكونغرس هي فاتورة حساب قاسية جزء منها يعود الى الشق الفني المتعلق بالموازنة، والجزء الآخر يعني محاولة من الكونغرس لفرض عقوبة اولوية على السلطة، هذا والايام المقبلة ستوضح لنا جلياً ما اذا كان الشق السياسي هو المنتصر ام لا؟
«ولكل حادث حديث».
علي محمد الفيروز
كاتب وناشط سياسي
[email protected]