خيرالله خيرالله / مصر... علامة استفهام كبيرة!

تصغير
تكبير
بعد تسعة أشهر على نجاح الثورة في مصر، لاتزال مصر أقرب إلى علامة استفهام كبيرة أكثر من أي شيء آخر. فمصر تعيش في ظل حروب إعلامية تثير ضجيجاً يطغى على الواقع. انها مرحلة التساؤلات الكبيرة التي تجعل منطقياً القول ان أكثر ما تحتاج إليه مصر في هذه المرحلة هو فترة من الهدوء من جهة والابتعاد قدر الإمكان عن أي مزايدات من أيّ نوع كان من جهة أخرى. تسمح فترة الهدوء في مناقشة كيفية الانتقال إلى مرحلة جديدة تسود فيها دولة القانون، دولة مدنية تستعيد مصر بفضلها حياة سياسية طبيعية تستند إلى الديموقراطية أوّلاً وأخيراً. هل في استطاعة مصر أن تكون مجدداً دولة مؤسسات لا علاقة لها بالأجهزة الأمنية كي يمكن القول ان ثورة حقيقية، تعرف ماذا تريد، انتصرت... أم فات أوان ذلك ولم يعد مجالا سوى لمزايدات وأعمال صبيانية مثل الهجوم الذي تعرضت له السفارة الإسرائيلية في القاهرة أخيراً. ثمة من يعتقد أن ما حصل ليس أعمالاً صبيانية، بل عملية مدروسة بشكل محكم!

في كلّ الأحوال، لنفترض أن السفارة الإسرائيلية اغلقت والعلاقات قطعت مع هذا البلد، ماذا سيحصل بعد ذلك، ماذا ستفعل الإدارة الأميركية، ماذا سيكون رد فعل الدول الاوروبية على خطوة من هذا النوع، هل يمكن ترك الشارع يعالج قضية حساسة بخطورة العلاقات مع إسرائيل، هل هناك من فكّر ملياً بأن معاهدة السلام مع إسرائيل التي جاءت نتيجة توقيع اتفاقية كامب ديفيد في خريف العام 1978 إنما وضعت الأسس لاستعادة مصر سيناء، كل سيناء، بما في ذلك حقول النفط والغاز، من دون إطلاق رصاصة واحدة؟

لا بدّ من دراسة في العمق لكل الاحتمالات قبل اتخاذ أي خطوة تستهدف قطع العلاقات مع إسرائيل. هذا لا يعني من دون أدنى شك أنه لا يحق لمصر إعادة النظر في علاقاتها بدولة ما، خصوصاً بإسرائيل. ولكن قبل الإقدام على اي خطوة من هذا النوع لا مفرّ من إعادة ترتيب الأوضاع الداخلية في البلد وتكريس الاستقرار. عندئذ فقط سيكون في استطاعة مصر اتخاذ قرارات كبيرة مثل البحث في مستقبل علاقتها بهذه الدولة أو تلك، بما في ذلك إسرائيل.

لعلّ أخطر ما حصل بين مصر وإسرائيل أخيراً ردّ الفعل على العملية التي نفّذتها مجموعة فلسطينية مسلحة قرب إيلات. انطلقت هذه المجموعة من غزة واستطاعت التسلل إلى مشارف إيلات عن طريق الأراضي المصرية. قتل في العملية إسرائيليون. إلى الآن، ليس معروفاً ما حلّ بالمهاجمين وهل استطاعوا العودة إلى قواعدهم سالمين أم أن إسرائيل تعتقل عدداً منهم من دون أن تعلن ذلك؟ ردت إسرائيل بقتل غير مبرر لجنود مصريين داخل الأراضي المصرية. من الواضح أنها ارادت جس نبض السلطات المصرية واحراجها. وهذا ما حصل بالفعل إذ وجد في القاهرة من يهاجم مقر السفارة الإسرئيلية ويصل إلى غرف تابعة لها في غياب الأمن المصري الذي لم يتدخل إلاّ بعد فوات الأوان. والثابت أن السلطات المختصة لم تلجأ إلى إرسال قوة كبيرة لحماية السفارة إلاّ نتيجة الحاح اميركي سبقه اتصال من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو بالرئيس باراك اوباما.

خلاصة الأمر أن إسرائيل، التي فيها حالياً حكومة بيبي نتانياهو تبحث عن أعذار لتكريس احتلالها لجزء من الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية. مثل هذه الحكومة تنظر بعين العطف إلى كلّ ما من شأنه اظهار إسرائيل في مظهر الضحية، علماً بأنها تمارس ارهاب الدولة. هل يمكن وصف الاحتلال وحرمان شعب من أبسط حقوقه بغير إرهاب الدولة؟

ما فعله أولئك الذين هاجموا السفارة في القاهرة إنما خدموا، من حيث لا يدرون، حكومة نتانياهو. بات في استطاعة هذه الحكومة تبرير رفضها لأي قرار تتخذه الجمعية العامة للامم المتحدة بإقامة دولة فلسطينية في حدود العام 1967 بحجة أن العرب لا يحترمون التزاماتهم. اذا كانت مصر غير قادرة على حماية مقر السفارة الإسرائيلية التي وجدت في القاهرة نتيجة معاهدة سلام بين البلدين، كيف يمكن لدولة فلسطينية مستقلة احترام أي التزام من اي نوع كان، خصوصاً في ظل حال الانقسام التي يعاني منها الفلسطينيون حاليا؟

ما حدث في القاهرة يسيء إلى الفلسطينيين أيضاً، خصوصاً أن هؤلاء في حاجة اليوم أكثر من أي وقت إلى سياسة مصرية متماسكة تدعم حملتهم الهادفة إلى جعل فلسطين عضواً في الامم المتحدة. المؤسف أكثر من ذلك أن الهجوم على السفارة الإسرائيلية في القاهرة لا يساهم في اظهار السلطات المصرية في مظهر السلطات العاجزة فحسب، بل يلحق ضرراً كبيراً بالعلاقات المصرية- الأميركية والمصرية- الاوروبية أيضاً. من قال ان حكومة نتانياهو تعترض على تطور من هذا النوع في هذه الظروف بالذات؟

مرّة أخرى، من حق مصر إعادة النظر في علاقاتها مع أي دولة من الدول. ولكن يفترض أن يتمّ ذلك في ظروف طبيعية وليس في مرحلة انتقالية يمرّ بها أكبر بلد عربي. فمن أجل أن يكون لأي قرار تأثير إيجابي داخل مصر نفسها، من الطبيعي أن يتخذ هذا القرار من موقع قوة. مصر القوية هي مصر القادرة على إعادة بناء مؤسساتها على أسس سليمة وعلى إعادة الحياة إلى اقتصادها. كلّ ما عدا ذلك سقوط في لعبة لا طائل منها اسمها لعبة المزايدات. اوليست المزايدات التي أوصلت مصر إلى هزيمة 1967 مع ما عناه ذلك من سقوط للمشروع الناصري بكل حسناته وسيئاته؟ انها هزيمة لم يشف العالم العربي منها حتى اليوم!





خيرالله خيرالله

كاتب لبناني مقيم في لندن
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي