حين نقترب من ذكرى غزو صدام حسين للكويت نسترجع تلك البشاعة التي طغت على سلوك الجار تجاه جاره، لهذه الذكرى ألَمٌ لا يُحسُّ بأوجاعه إلاّ من تذوَّقه وتجرَّع آلامَه، ورغم أن جراح الغزو كانت مباشرة في قلوب أشقائنا الكويتيين لكنَّ هذه الفاجعة كانت أشبه بضربةٍ على رأس العرب مازلوا ينزفون بسببها حتى الآن، وُجِّهَ فيها العدوان إلى الكويت خاصة وإلى مشروع تقارب العرب ووحدتهم بشكل عام، والكويتُ كما يعرفها العرب هي شريان الخير في قضيتهم المركزية (القضية الفلسطينية)، وكأنّي أكتب هذه الكلمات ويدفعني قلبي لأزيد منها عاطفةً وحباً ووفاءً لهذا الوطن، غير أن عقلي يقبضُ على قلمي لأكتب كلمات تغمرها العاطفةُ ويحكُمُها الوعي. لقد أثبتت التجارب من سبعينات القرن الماضي إلى اليوم أن التسرُّع في اتخاذ أيِّ قرار عربي بشكل منفرد أو بشكل جماعي قبل الدراسة المستفيضة سوف يجلب مزيداً من الأسى للأمة، ويشتت جهودها ويصرفها عن قضية فلسطين المحتلة، وللأسف غالباً ما نكون نحن العرب سبباً مباشراً في ذلك، تخيَّلوا لو لَمْ يقم صدام حسين بغزو الكويت كيف سيكون سيناريو الأحداث في المنطقة؟ بعد هروب ميشيل عفلق من سورية إلى العراق كان ترشيحُه لصدام حسين ليكون عضواً في مجلس قيادة الثورة في بغداد بدايةَ انحراف حزب البعث العراقي عن أهدافه القومية، ولو بحثنا وقرأنا عن السيرة الذاتية لصدام والكيفية التي وصل فيها إلى السلطة في العراق كما كتب حردان التكريتي وزير الدفاع العراقي في عهد صدام في مذكراته يقول «جرت اتصالات بيني وبين صدام حسين الذي كان قبل 30 يوليو 1968م في بيروت، وأخبرني بأن حكومتيْ كلٍّ من أميركا وبريطانيا أبدتا تعاونهما بأقصى حد لوصول «حزب البعث» العراقي للحكم في العراق ولكن بشرطين؛ الأول: أن يقدم الرئيس الجديد تعهداً خطياً بالعمل وفق ما يرسمون له. الثاني: أن يبرهنوا (أي «حزب البعث» العراقي) على قوتهم في الداخل. وقد أخبرتْهم السفارة الأميركية في بيروت أنها على استعداد للتعاون على أن نتساهل (أيْ صدام ومن معه) بعد نجاح الانقلاب في مسألة النفط مع الشركات الأميركية، ووافقنا على الشرط». انتهى كلام التكريتي، ويرى المتابعون للسياسة العراقية أن استقالة الرئيس العراقي السابق أحمد حسن البكر بعد ذلك عام 1979م كانت مجرد إجراء شكلي نتيجة ضغوط مارسها نائبه صدام حسين، أما هرب عفلق إلى بغداد لخلاف بينه وبين صلاح البيطار من طرف وبين الرئيس حافظ الأسد من طرف آخر كان حول الوحدة مع مصر وما جرَّت هذه الوحدة رغم صورتها النقية مع الرئيس جمال عبدالناصر، كان الخلاف حول تلك الوحدة وليس لأن الرئيس حافظ الأسد عنده في سورية آبار للنفط يريد أن ينفرد بعائداتها كما فعل صدام حسين في اتفاقياته مع البريطانيين والأميركيين! بل على العكس تماماً لقد حذَّر الرئيس حافظ الأسد العربَ من الانسياق وراء صدام وبطولاته المزعومة في حماية البوابة الشرقية للأمة العربية بحربه مع إيران ثم ختم صدام تخبطاته ومسلسلَ جرائمه بغزو الكويت! الكثير من شعوبنا العربية تجرَّعتْ ويلات الغدر والاستغلال، ولُدِغتْ من الجحر مرات ومرات، ويجدر أن تعي حقائق الأشياء وإن ظهرت بألوان مختلفة، علينا أن نلجأ للحوار بلغة العقل بعيداً عن التعنت والعنف، وبعيداً عن لحس العقول بثورات كالبرق من غير مطر! قابلتُ في الأيام القليلة الماضية كثيراً من الأشقاء المصريين وهم ساخطون بسبب ما آلتْ إليه الأوضاع في مصر ومعظمهم يقول: الله يرحم أيامك يا حسني مبارك. اللهم بلغنا رمضان.
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
[email protected]