أتعجَّب من تلك الظاهرة. وأكثر مايسوؤني استغراباً واستفهاماً هو انسياق الغالبية لها بل وتفننهم في تفعيلها، تلك الظاهرة التي تدل، وأقولها آسفة، تدل على مدى تغلغل السطحية في العقول واستيلائها على التفكير، تدل على أن المسافات بيننا وبين التقدم تزيد زيادة مُرعبة، هي مؤشر على تفاهة الاهتمامات وانحدار القيم والقناعات، هي ظاهرة تكسونا حِلية بالية بعيدة عن روح الإيمان والمعاصرة، هي ظاهرة «عزيزي الجو» فما يلبث الجو أن يَسيء بقدرٍ من الله ومقدار، إلا وتلوكه الألسن بغزارة، وتُتداول نكاته بحرارة، كأنه قضية ساخنة مُهدِّدة للبلاد والعباد... بل كأنه حُر الإرادة والاختيار!
قد تتفق معي قارئي أننا قد نغفل عن أن الجو مأمور من خالقه والطعن به هو طعنٌ بخالقه، أليس الاستخفاف بالشيء هو استخفاف بصانعه؟ تعالى الله عن ذلك، أتأمّل فِشو وانتشار تلك النكات فيجمد عقلي من سرعتها فلاتَبْقَ تجمّعات ولا رسائل ولا مواقع للتواصل الاجتماعي إلا وقد طالتها تلك السخافات باكتساح ملحوظ. وأتفكّر هل فعلاً لا توجد مواضيع بحاجة إلى نقاش وتفنيد وتحليل إلا الجو، هل فعلاً أذهاننا صافية لا تحمل همّ شيء إلا جواً مُغبَراً أو حاراً أو رطباً، هل أجواؤنا الشخصية والاجتماعية والوطنية والسياسية صافية جداً حيث تفرغنا لحل مشكلة الجو الطبيعي!
أعترف أن رواج مثل هذه النكات، والتي على غرارها سخرية بفئة معينة أو جنسية معينة وخلافه، إنما يدل على وجود عقليات شبابية نَشِطة مُتوقّدة لكنها لم تُوظَّف توظيفاً صحيحاً، أنتم وبلادكم في حاجة لعقولكم النيّرة، فهناك أموركم الشخصية والمشكلات السياسية، والمآزق الوطنية هي أحق بأن يُنهك العقل تفكيراً بها لمحاولة حلّها، بدلاً من التفرغ لإطلاق النكات والترصّد للجو الذي ليس لنا عليه من سلطان، أما آن أوان الانقلاب على الخراب، ألم يحِن وقت ثورة العقول؟ فليَثُر العقل ولينقلب على نفسه نافضاً غبار سطحيته مغتسلاً بماء التجديد والمفيد ليرتقي بصاحبه فيرتقي المجتمع تباعاً، فما المجتمع إلا أفراده يرقى برقيّهم وينحدر بانحدارهم، والشباب هم ميزان المجتمعات وواجهتها وسفراؤها، اهتماماتهم وأفعالهم تعكس مدى رقي وتقدّم مجتمعاتهم والعكس!
وختاماً أقول... لا بد من الإشارة إلى تلك الحقيقة المهمة، لعلَّ في معرفتها استثارةٌ للهمة، وهي أنه حيث يميل الغصن تنمو الشجرة، فمتى ما مالت أغصاننا على وحول السطحيات والتفاهات وعدم استثمار الإمكانيات فستنمو شجرتنا تباعاً لتُظِلَّ بظلّها تدهور المجتمع بجميع جوانبه، لا ضير في ذلك فعدم وعي عدد لا يُستهان به من الشباب بحاجات مجتمعه وخط سيره وتذبذب أوضاعه لن يورّث لنا شيئاً أفضل من التدهور، ومتى ما مالت أغصان شجرتنا نحو عمق النظر وارتقاء الفكر وتوظيف طاقات البشر، فسنجني من شجرتنا أطايب الثمر!
عائشة عبد المجيد العوضي
[email protected]Twitter: @3ysha_85