روى البخاري من حديث النعمان بن بشير أن رسول الله (ص) قال «مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا؟ فإذا تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجو ونجوا جميعاً».
هذا حديث عظيم وفيه من الفوائد ما لا يحصى، وسأقتصر في مقالي هذا على ذكر بعض فوائده ولطائفه النبوية...
يشبه النبي (ص) المجتمع بالسفينة التي تمخر بالبحار وهو إشارة الى الأخطار التي قد تحيط بالمجتمعات، وأن المجتمع كله بلا أي استثناء مسؤول عن سلامة هذه السفينة، سواء أكانت هذه الأخطار داخلية أم خارجية، وسواء كانت عسكرية، أم أخلاقية، أم مادية، أو غيرها، فأي خلل في سلامة السفينة قد يؤدي الى هلاك الجميع.
حين استهم هؤلاء النفر على أماكن جلوسهم في السفينة كان الهدف من هذا الاستهمام هو استغلال الجزء المخصص للإقامة والانتفاع بما لا يضر الآخرين وهو إشارة إلى تقسيم المنافع والحقوق والواجبات في المجتمعات، وضابط هذا كله الحفاظ على الكيان العام، فلكل فرد في المجتمع دور يؤديه وعلى عاتقه تقع واجبات، وله حقوق كذلك، ولكل هذا ضوابط وأسس لا يمكن أن يكون الواجب والحق إلا بهما.
هناك فئة من ركاب هذه السفينة فهموا هذا الاستهمام فهماً خاطئًا، فهم ووفق المفهوم الصحيح تملكوا حق انتفاع الجزء السفلي من السفينة لكن عقلهم السقيم أوقعهم في اللبس المشين ومظاهر هذا اللبس:
أولاً: أنهم فهموا من واقعة الاقتراع وتخصيص الجزء الأسفل من السفينة للانتفاع به وكأنه تفويض بأن يفعلوا ما يشاؤون من دون قيد أو ضابط، وهذا منتهى الانحراف في الفكر.
ثانياً: أنهم ولمجرد احساسهم بمضايقة أو تضايق أصحاب الجزء العلوي من السفينة راحوا يفكرون بحلول قد تكون أسوأ حالاً مما تضايقوا منه بل أشد فتكاً وهلكة... ولعل المشكلة في إحساسهم ونفسياتهم وعقولهم لا في الوقائع المادية أصلاً، وكثير من الناس إنما جاءتهم الهلكة والدمار من أفهامهم السقيمه للواقع.
ثالثاً: لم تعرف من الحديث ما إذا كانت هذه السفينة تبحر في ماء مالح أو نهر حلو... فحتى لو كان ما يراه هؤلاء صحيحاً فلعل الحل الذي اقتنعوا به للحصول على الماء يجلب لهم ماءً مالحاً لا يستفيدون منه، وما إذا كان الماء حلواً فمن المؤكد أنهم سوف يهلكوا قبل حتى أن يرتشفوا شربة من ماء حين يخرقون السفينة ففي كل الحالات هم هلكى، لكن العقل السقيم يعميك ويوردك المهالك.
يضرب النبي (ص) مثلاً حسياً مادياً للإشارة إلى المثال المعنوي ليبين لنا (ص) حدود الحرية والمرض الذي قد يصيب عقول البعض من الناس في فهم الحريات.
كما أن في الحديث إشارة واضحة للفئة العاقلة في المجتمع بالأخذ على يد أي فئة قد تضل طريقها وهذا الأخذ إما أن يكون بمقارعة الحجة بالحجة وإلا فإن بعض المواقف تحتاج الى الشدة لمنع من يخيل له عقله المريض أنه مصلح، ولو ترك أمثال هؤلاء وما يشاؤون لهلكت المجتمعات وغرقت السفن.
اليوم تظهر بيننا فئات في المجتمع هم كأصحاب الجزء الأسفل من السفينة أصابهم عوار الفهم الخاطئ لمبدأ الحريات والإصلاحات فراحوا ينادون بمبدأ الحريات المطلقة التي لا قيد عليها، ويستندون في ذلك إلى شبهات فكرية ليست بالبعيدة عن تلك الشبهات التي استند إليها أصحاب الجزء الأسفل من السفينة، ليست هناك حريات عامة أبداً لا في القانون ولا في الشرع ولا في المنطق والعقل، كل عام له ما يخصصه، وكل مطلق له ما يقيده. قد يكون ظاهر كلام هؤلاء منمقا ومقنعا ومؤثرا لبعض الناس، لكنه في الحقيقة هدام لكيان المجتمعات، فتاك بقواعد استقرارها، لن أخوض في المفهوم الصحيح للحريات وفق القواعد القانونية ولعلي أتناوله في مقال آخر... لكني أظن أن المبادئ أضحت واضحة جلية وفق هذا الهدي النبوي.
محمد صالح السبتي
كاتب كويتي
[email protected]