خيرالله خيرالله / التخلص من الاحتلال آخر همّ لـ «حماس»...

تصغير
تكبير

من يريد خدمة إسرائيل يتباكى حالياً على غزة ويهاجم السلطة الوطنية الفلسطينية ويتحدث عن فعالية صواريخ «حماس» وغير «حماس». لا شك أن حكومة إيهود أولمرت تمارس إرهاب الدولة. قتلت في أيام قليلة عشرات الفلسطينيين معظمهم من الأطفال والنساء والمدنيين في ما العالم يتفرّج على ما يحدث. في المقابل لم تقتل الصواريخ «الحماسية» سوى إسرائيلي واحد... المزايدات سهلة، خصوصاً عندما تكون على حساب الشعب الفلسطيني الذي يستخدم مرة أخرى وقوداً في معارك لا علاقة له بها من قريب أو بعيد.

المؤسف أن «حماس» تريد جرّ الدول العربية إلى حرب مع إسرائيل غير مدركة أنه ليست هناك دولة عربية واحدة على استعداد للدخول في مثل هذه الحرب التي هي في الواقع حرب تشنها جهتان على الشعب الفلسطيني وقضيته في آن. حرب أولى تشنها «حماس» وأخرى تشنها إسرائيل. ما يجمع بين «حماس» وإسرائيل تلك الرغبة في الإساءة إلى الشعب الفلسطيني والقضاء على قضيته. هل من تفسير آخر لتلك الحرب العبثية وتلك التصريحات النارية الصادرة عن السيد خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لـ «حماس» ،والتي يستدل منها أنه على استعداد للتضحية بالشعب الفلسطيني حتى آخر فرد من أفراده خدمة للمحور الإيراني - السوري... هذا المحور الذي يتفنن في تقديم كل أنواع المبررات لإسرائيل كي تتهرب من أي نوع من المفاوضات وكي تستمر في سياسة لا هدف لها سوى تكريس الاحتلال. إن صواريخ «حماس» التي يفتخر بها بعض الجهلة، الذين لا يتقنون غير الصياح، هدايا من السماء لحكومة إيهود أولمرت التي لا تزال تؤمن بمقولة ألا وجود لشريك فلسطيني يمكن التفاوض معه رغم جولات عدة من المفاوضات عقدت بين الرئيس محمود عبّاس ورئيس الحكومة الإسرائيلية منذ انتهاء مؤتمر أنابوليس في الخريف الماضي.

بعض الكلام الهادئ ضروري في هذه المرحلة العصيبة التي تمر فيها القضية الفلسطينية. انسحبت إسرائيل من غزة قبل ما يزيد على عامين. كان في استطاعة الجانب الفلسطيني تحويل غزة إلى نموذج لما يمكن أن تكون عليه دولة فلسطينية ناجحة في حال وئام مع محيطها. كان العالم كله على استعداد لمساعدة غزة كي تكون نواة للدولة الفلسطينية بدلاً من أن تكون رمزاً لتجربة فاشلة تظهر أن الفلسطينيين غير قادرين على أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم. أكثر من ذلك، سعت «حماس» عبر صواريخها إلى جعل الشعب الفلسطيني المظلوم في موقع الجلاد، فيما إسرائيل التي تمارس إرهاب الدولة في موقع الضحية. يكفي أن تقول إسرائيل لأي جهة دولية إنها انسحبت من غزة وأن الصواريخ صارت تطلق عليها من القطاع نتيجة الانسحاب، كي تتعرض القضية الفلسطينية إلى كارثة ليس بعدها كارثة على الصعيد الدولي.

لا يريد العالم سماع أن «حماس» حولت غزة إلى «حماسستان». لا يستطيع العالم تقبل فكرة الصواريخ بعد الانسحاب الإسرائيلي. كل ما يريد سماعه أن الفلسطينيين انصرفوا إلى ترتيب أوضاعهم الداخلية في القطاع وليس إلى إقامة إمارة إسلامية أو مستعمرة إيرانية تطلق منها إلى جانب الصواريخ شعارات من نوع تحرير فلسطين من البحر إلى النهر أو من النهر إلى البحر لا فارق... أو أن فلسطين كلها وقف إسلامي. مثل هذه الشعارات غير مسؤولة ولا تقود سوى إلى إلحاق مزيد من الخسائر بالقضية الفلسطينية.

نعم لا يزال في الإمكان إنقاذ غزة. الاتهامات التي توجهها «حماس» إلى العرب الآخرين وإلى رئيس السلطة الوطنية وإلى هذا المسؤول الأمني الفلسطيني كاللواء توفيق الطيراوي لا تفيد. ولا يفيد طلبها بطريقة غير مباشرة من العقيد محمد دحلان أن يساعدها في التوصل إلى وقف للنار، وكأن وقف النار يمكن أن يكون هدفاً في حدّ ذاته في غياب أي مقومات سياسية مرافقة له. ما يساعد «حماس» في هذه الأيام السود امتلاك ما يكفي من الشجاعة للاعتراف بأن تجربتها في غزة سقطت سقوطاً مريعاً. لم تأتِ هذه التجربة بالويلات على الشعب الفلسطيني فحسب، بل هددت أيضاً قضيته الوطنية في الصميم نظراً إلى أنها أوجدت كيانين فلسطينيين منفصلين.

لا مفر من تراجع «حماس» عن انقلابها. كان الرئيس علي عبدالله صالح في غاية الوضوح عندما طلب منها أن تفعل ذلك قبل أيام عدة. وبدا الرئيس اليمني الذي ربطته علاقات جيدة بالحركة الإسلامية بعيد النظر، وكأنه على دراية بمخاطر استمرار «حماس» في ممارسة لعبة إطلاق الصواريخ التي لا تخدم سوى إسرائيل. ما يفيد «حماس» في هذه المرحلة اعتماد التواضع. إن امتلاك جرأة الاعتراف بالفشل ليست تنازلاً. من يتنازل من أجل وطنه وأبناء وطنه لا يكون تنازل في أي شكل من الأشكال. مثل هذا التنازل فخر لـ «حماس» التي تقطع عندئذ الطريق على عملية الفصل بين الضفة وغزة.

في النهاية، ما يدور في غزة حرب حقيقية غير متكافئة بين طرفين يمتلك أحدهما قدرات كبيرة على التدمير والقتل من دون تمييز بين المدنيين والمقاتلين. المخرج الوحيد سياسي يتمثل في وقف الصواريخ الغبية واعتماد برنامج سياسي واضح كل الوضوح هو ذلك الذي تلتزمه حكومة الدكتور سلام فياض. كل ما عدا ذلك مساهمة في نشر ثقافة الموت بهدف واضح كل الوضوح يصب في خدمة الحصار المضروب على الشعب الفلسطيني.

من الآن، يفترض في «حماس» أن تفهم هي والذين يقفون خلفها أن حرب غزة لن تحرج العرب الآخرين، خصوصاً مصر التي لديها التزاماتها الإقليمية والدولية. هذه الحرب ليست سوى دليل على أن الهدف الأول لـ «حماس»، التي هي جزء لا يتجزأ من حركة «الإخوان المسلمين»، تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني وليس تخليصه من الاحتلال... التخلص من الاحتلال يبدو آخر همّ لدى الحركة.


خيرالله خيرالله


كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي