اتصل بي عصر الأمس أحد المعارف من ذوي الرتب العسكرية الرفيعة، وقال لي هل قرأت افتتاحية «الراي» اليوم (امس) 29/2/2008 والتي عنوانها «النظام على المحك»، قلت له نعم، قال أعطني رقم هاتف جاسم بودي لأشكره، ثم طلب مني ان اكتب مقالا بعنوان «الكل ياكل تبن» ويقصد، أن الجميع يجب أن يلزم حدوده فقد قيل كل شيء ولنطلب من الحكومة تحمل مسؤوليتها وكفاية تصعيد يأخذ منحى التأزيم وخلق فتنة لا أحد يعلم عواقبها!
وسأقف عند فقرات من افتتاحية الزميل جاسم بودي التي قال فيها: «الحكومة تخلت عن دورها فملأه آخرون»، وهذا أمر واقعي وطبيعي، وعليك ان تتخيل هؤلاء «الآخرون» من يكونون، ما هي أهدافهم، من يحركهم، بل من يخترقهم وربما يوجههم إلى حيث لا يريدون ثم يتورطون إلى حيث لا رجعة ولا مراجعة بل يتورطون ويتسببون بخراب عام لم يكن يخطر ببالهم، وهاأنتم ترون كيف اتسعت دائرة الشقاق والتصعيد والاستقطاب الطائفي... والسبب أن الفراغ الذي تركته الحكومة ملأه تصارع اللاعبين!
ومما جاء في الافتتاحية: «الأقسى من ذلك كله ان يتراجع المسؤول عن قرار حق اتخذه لخدمة المصلحة العامة بضغط من المصلحة الخاصة»... وهذا هو الداء السياسي الذي سيزيد من سقوط هيبة الحكومة واحترام قراراتها أو الامتثال لمراسيمها مهما كانت جادة، وتجعل الناس بدلا من أن يعتصموا بالمركز «الحكومة» كمرجع نهائي لحسم المشكلات العالقة، فإنهم يلتفتون إلى الأطراف والانتماءات يستجيرون بها لتحقيق مصالحهم ويوالونها ضد الحكومة التي تحولت إلى كتلة من أصحاب المصالح الخاصة، فكيف تستطيع ان تحاصر أو تعالج جشع مصالح بقية الكتل وأطماعهم، فما هي الا منافس قوي لهم ولكن من نوع آخر يزيد الأزمة بتقديم مصلحته الخاصة على مصالح البلد!!!
وضرب الكاتب مثالين على ما يقول أحدهما مأساة الرياضة والثانية الدواوين... ثم قال: «ان يدافع مسؤولون عن (مخالفات) قانونية بحجة وجود مخالفات أخرى فيضغطون ويهددون وينجحون إلى حد تعطيل القرار وتأجيله ويجد صاحب القرار نفسه مضطراً للتراجع...»، وهنا تبرز مشكلة كبرى في حياتنا السياسية العامة يجب علاجها من جذورها وهدم أساساتها ألا وهي (الابتزاز) فالنواب الذين يظهرون كشرفاء مدافعين عن مصالح الشعب، تجد دفاعا ينبع من ممارسة الابتزاز... تسكتون يا حكومة عن (...) نسكت نحن عن (...)، تفتحون ملف (...) ونحن نفتح أكثر من ملف، هذا هو المنطق التعيس الذي يسير عليه أكثر أو كثير من هؤلاء الشرفاء لا مبادئ ولا قناعات ولا مراعاة للحق أو المصلحة العامة... قارن هؤلاء بالمرشح للرئاسة الاميركية عن حزب الوسط «رارلف نادر» المدافع عن البيئة والمعادي للاجهاض فقالوا له لن تنجح، قال ليس شرطا أهم شيء أفكاري وأهدافي تعرف! وقضية ابتزاز النواب لا يقل عنها خضوع الحكومة للابتزاز والأقل كلمة حق: ان أزمة طائرة الجابرية لو لم تخضع للابتزاز لما حصل كثير من تداعياتها، ولقد لاحظنا في السنين الاخيرة تراجع خطف الطائرات وسرعة حسم من سقطت بالخطف، لماذا؟ لأن الحكومات لم تعد تستجيب لابتزاز الخاطفين، الكويت خضعت للابتزاز عندما حطت الطائرة في الجزائر، فكان ما كان!!
ختم الزميل جاسم بودي مقاله بقوله: «الحكومة يا سمو الرئيس هي المسؤول المشترك اليوم بين السماح باستمرار التجرؤ على تجاوز القوانين في قضيتي الرياضة والدواوين وغيرها والسماح باستمرار التجرؤ على تجاوزات النواب الوطنية في قضية مغنية. الهيبة على المحك هل من ناصر لها».
أقول: إذا لم تتدارك الحكومة أزمتها التي فجرت الازمات فإن القضية الطائفية إذا لم تعالج بحكمة حازمة فإنه يكفي كما جاء في افتتاحية «الراي» أمس: «اطلاق مجهول رصاصة مجهولة...» عندها لن تكون النتيجة كما قال صاحبي الكل ياكل تبن، وانما الحكومة والشعب سيشربون الدم!!!
محمد العوضي