خيرالله خيرالله / لماذا يقاوم اللبنانيون الشرفاء سلاح «حزب الله»؟

تصغير
تكبير
إما لبنان وإما السلاح غير الشرعي. مسألة السلاح غير الشرعي مسألة حياة أو موت بالنسبة إلى مستقبل لبنان. لذلك، يقاوم اللبنانيون الشرفاء والأحرار المتمسكون بالسيادة والعيش المشترك سلاح ميليشيا «حزب الله» على الرغم من الأخطاء الكثيرة التي ارتُكبت في الأعوام الستة الماضية، أي منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وسلسلة الجرائم الأخرى التي تلت عملية الاغتيال. يعرف اللبنانيون الذين يمتلكون حداً أدنى من الوطنية أن السلاح في أساس كل علّة في لبنان وذلك منذ العام 1969 تاريخ توقيع «اتفاق القاهرة» المشؤوم الذي استخدم لإقامة مربعات أمنية فوق الأراضي اللبنانية. كانت تلك المربعات الأمنية تحت سيطرة المسلحين الفلسطينيين، ومنظمات تابعة للأجهزة السورية وحتى العراقية والليبية في مرحلة ما. ما لا يمكن تجاهله في أي لحظة أن مصدر معظم السلاح الذي يدخل لبنان هو الأراضي السورية وأن لا هدف من ارسال السلاح إلى لبنان، بغض النظر عن الجهة التي ستستخدمه، سوى تقويض مؤسسات الدولة اللبنانية وايجاد شرخ بين اللبنانيين، حتى بين ابناء الطائفة الواحدة والمذهب الواحد.

بقي الأمر على هذه الحال حتى العام 1982 عندما راحت تلك المربعات الأمنية تنتقل تدريجاً إلى سيطرة ميليشيا مسلحة إيرانية ذات عناصر لبنانية اسمها «حزب الله». ذلك لا يعني أن في الإمكان تجاهل أن عدوى السلاح غير الشرعي انتقلت إلى المسيحيين الذين وجدوا من يشجعهم في السبعينات والثمانينات على تشكيل ميليشيات عادت عليهم بالويلات، خصوصا عندما اختاروا المواجهة مع المسلحين الفلسطينيين من دون دعم من شركائهم في الوطن من المسلمين الذين لم يعوا في تلك المرحلة من تاريخ لبنان خطورة السلاح غير الشرعي ومعنى دعم الوجود الفلسطيني المسلح على الأراضي اللبنانية، بما في ذلك بيروت.

من حسن حظ المسيحيين ومعظم اللبنانيين المنتمين إلى الطوائف الأخرى أنهم أدركوا أخيراً أن السلاح يشكل الخطر الأكبر على لبنان وعلى العيش المشترك، وعلى قدرة الوطن الصغير على المقاومة والصمود في وجه العواصف العاتية التي تضرب المنطقة. بالطبع، هناك استثناء مسيحي اسمه النائب ميشال عون، وهو قائد سابق للجيش بلغت به قلة الحياء تبرير اغتيال الميليشيا الإيرانية ضابطاً طياراً في الجيش اللبناني اسمه سامر حنا تجرأ على التحليق بطائرته التابعة للجيش اللبناني فوق الأراضي اللبنانية! ولكن ما العمل عندما يكون هناك لبنانيون مسيحيون لا يريدون أن يتعلموا شيئاً من المآسي التي مر فيها بلدهم، ما العمل عندما لا يكون لدى ميشال عون من طموح سوى لعب دور الأداة أو الأداة لدى الأدوات بأي ثمن كان؟

سينتصر لبنان في المواجهة مع السلاح غير الشرعي. ستنتصر إرادة اللبنانيين على المنادين بتغليب ثقافة الموت على ثقافة الحياة. ماذا يؤكد أن الانتصار اللبناني على السلاح سيتحقق عاجلاً أم آجلاً؟ الجواب أنه في العام 1969، لم يكن هناك سوى زعيم لبناني واحد يقف ضد «اتفاق القاهرة» والسلاح غير الشرعي. كان اسم هذا الزعيم ريمون اميل اده. لم يتجرأ أي مسلم أو مسيحي على مجاراته على الرغم من ان كثيرين كانوا من رأيه لكنهم فضلوا السلامة والاستسلام أمام المزايدات والمزايدين على الموقف الوطني الصريح الذي يتفــق مع منطـق الدولة ولا شيء آخر غير الدولة.

الآن، هناك أكثرية لبنانية مع منطق الدولة. هذه الأكثرية من كل الطوائف والمناطق نزلت إلى الشارع وأخرجت القوات السورية من لبنان في العام 2005. هذه الأكثرية انتصرت في انتخابات 2005 وانتصرت في انتخابات 2009 التي كانت استفتاء على السلاح غير الشرعي ورفض الرضوخ له. رفض اللبنانيون السلاح غير الشرعي لأنهم يعرفون تماماً أن «حزب الله» ليس سوى ميليشيا مذهبية لا همّ لها سوى إعادة لبنان إلى نظام الوصاية مستخدمة الغرائز المذهبية.

في النهاية، لا وجود لمنطقين عندما يتعلق الأمر بمصير دولة. هناك منطق الدولة وهناك منطق اللا دولة. لا يمكن لأي دولة التعايش مع منطق السلاح غير الشرعي. فالسلاح غير الشرعي يعني استمرار الاغتيالات في لبنان، ويعني السيطرة على قرار الحرب والسلم الذي يفترض أن يكون في حوزة المؤسسات الشرعية، على رأسها مؤسسة مجلس الوزراء. السلاح غير الشرعي يعني قبل أي شيء آخر السعي إلى منع ذهاب العدالة الدولية الى النهاية في اتجاه كشف من اغتال رفيق الحريري وباسل فليحان ورفاقهما في الرابع عشر من فبراير 2005، ومن اغتال بعد ذلك سمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني ووليد عيدو وبيار امين الجميّل وانطوان غانم ووسام عيد وفرنسوا الحاج وسامر حنا، ومن حاول اغتيال مروان حمادة والياس المرّ ومي شدياق وسمير شحادة.

هناك ألف سبب وسبب لوقوف لبنان واللبنانيين ضد السلاح غير الشرعي الموجه إلى صدور المواطنين العزل خدمة لثقافة الموت التي تنادي بابقاء لبنان «ساحة» ولا شيء آخر غير «ساحة» للمحور الإيراني- السوري. هذا المحور الذي يستخدم اللبنانيين وقوداً من أجل عقد صفقات على حساب الوطن الصغير وأهله. لا حاجة إلى الدخول في أي اجتهادات سياسية من اي نوع كان. يكفي طرح سؤالين في غاية البساطة. هل من هدف لدى النظام السوري سوى التوصل إلى صفقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل على حساب لبنان، هل من هدف لدى النظام في إيران سوى تقاسم النفوذ مع الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة على حساب كل ما هو عربي فيها أكان ذلك في لبنان أو خارج لبنان؟

لم تعد لعبة السلاح تنطلي على احد. كل ما هو مطلوب من السلاح اخضاع لبنان في خدمة مشروع يصب في تكريسه «ساحة». لم يتغيّر شيء منذ العام 1969. ربما كان الجديد الوحيد أن السلاح يستخدم في العام 2011 لفرض حكومة على اللبنانيين اسمها حكومة «حزب الله». انتقل «حزب الله» ومن خلفه إيران، إلى مرحلة أكثر تطوراً في سياق عملية فرض إرادتهما على اللبنانيين وتأكيد أن بيروت ميناء إيراني على البحر المتوسط.

هل هذا مشروع ممكن التحقيق؟ لا شيء مستبعداً إذا أخذنا في الاعتبار أن الحليف الأول للسلاح غير الشرعي في لبنان كان دائماً إسرائيل التي أصرت في العام 1976، لدى دخول الجيش السوري الأراضي اللبنانية بضوء أخضر أميركي، على بقاء المسلحين الفلسطينيين في جنوب لبنان خارج السيطرة السورية. كانت حجة إسرائيل وقتذاك أن «هناك حاجة بين وقت وآخر للاشتباك مع الفلسطينيين». هل تنتصر إسرائيل مرة أخرى على لبنان بواسطة السلاح غير الشرعي الذي يرفع شعار المقاومة؟ كان في الإمكان القول ان ذلك وارد لولا أنه يتبين يومياً من المحيط إلى الخليج أن ثقافة الموت لا يمكن أن تنتصر على ثقافة الحياة...لا في لبنان ولا في تونس ولا في مصر ولا في ليبيا ولا في سورية، ولا في إيران لاحقاً!





خيرالله خيرالله

كاتب لبناني مقيم في لندن
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي