خيرالله خيرالله / ما يجمع بين ثورتي تونس ومصر

تصغير
تكبير
سيبقى الشرق الأوسط ومعه العالم منشغلاً بالحدث المصري فترة لا بأس بها. طغى الحدث المصري على كل ما عداه. صارت الأزمة التي يمر بها لبنان جراء الانقلاب الذي تعرض له، وهو انقلاب بكل معنى الكلمة حوّل الأكثرية النيابية إلى أقلّية بقدرة قادر في ظرف أقلّ من اسبوع، إلى مجرد حادث عرضي. ليس لبنان وحده الذي صار حدثاً ثانوياً. فجأة، غابت تونس عن الأخبار. باستثناء أن الرئيس زين العابدين بن علي صار خارج السلطة وأن هناك تجميداً لحسابات أفراد العائلة في المصارف الاوروبية، بدا وكأن تونس لم تعد تهمّ سوى التونسيين، في حين أنه كان للثورة الشعبية التي شهدها البلد تأثير مباشر على مصر. ليس صحيحاً أن هناك فوارق كبيرة بين مصر وتونس. على العكس من ذلك، هناك قواسم مشتركة عدة بين الثورتين الشعبيتين على الرغم من أن عدد سكان مصر يزيد على أربعة وثمانين مليون نسمة فيما عدد سكان تونس في حدود العشرة ملايين. يمكن البحث عن الفوارق مثلما أنه يمكن البحث عن القواسم المشتركة. الأكيد أن الأهمية الاستراتيجية لمصر لا تقارن بأهمية تونس، خصوصاً أن مصر، وهي أكبر دولة عربية كانت السباقة إلى توقيع معاهدة سلام مع إسرائيل في العام 1979، إضافة إلى أنها تتحكم بقناة السويس وأنها دولة عربية وافريقية في آن...

هناك ثلاثة عوامل مهمة تجمع بين مصر وتونس. وقد لعبت العوامل الثلاثة دوراً مهماً في اندلاع الثورتين وادخال مصر ومعها المنطقة مرحلة جديدة. مصر تغيّرت شئنا أم أبينا، أكمل الرئيس حسني مبارك ولايته أو لم يكملها. هناك مصر أخرى، سيتوجب على أي رئيس جديد فيها التعاطي مع مشاكلها الداخلية تفادياً لانهيار كبير تتسبب به الفروقات الاجتماعية والنمو السكاني واستمرار العمل ببرامج تعليمية لا تشجع سوى على التطرف. هناك أجيال مصرية تنشأ في ظل الفقر والعوز والمدارس التي تخرّج إرهابيين لا أكثر ولا أقلّ.

لعلّ العامل الأول الذي يجمع بين مصر وتونس هو جيل الشباب الذي أشعل شرارة الثورة. في الحالين، لعب شبان مستنيرون دوراً في قيام تظاهرات شعبية واجهتها السلطة بالقمع معتقدة أن سقوط بضعة قتلى كفيل بعودة المتظاهرين إلى منازلهم. على العكس من ذلك، دفع القمع مزيداً من الشبان إلى النزول إلى الشارع. استفاد الشبان في مصر وتونس من وسائل الاتصال والتواصل الحديثة، خصوصاً الانترنت، لمتابعة تحركهم. شرّعوا الأبواب أمام انضمام فئات أخرى إليهم. بين هذه الفئات الإسلاميون الذين سيعملون من دون شك على استغلال الوضع في مرحلة لاحقة وعلى استيعاب الثورة الشعبية وتوجيهها بالطريقة التي تخدم طموحاتهم. هل ينجح اسلاميو تونس ومصر في ذلك؟ في الحالين هناك علامة استفهام كبيرة تشكل بدورها قاسماً مشتركاً آخر بين الثورتين.

قد يكون العامل الثاني الذي يجمع بين الثورتين طبقة الفاسدين التي نشأت حديثاً في البلدين. هناك ما يزيد على خمسين مليارديرا في مصر. معظم هؤلاء من حديثي النعمة الذين سمحت لهم السلطة باستباحة كل شيء بما في ذلك مساحات شاسعة من الأراضي والاستيلاء على الاستثمارات المربحة. هؤلاء هم الذين يسعون حالياً إلى تشكيل ميليشيات تهاجم المتظاهرين في ميدان التحرير وغيره. لدى هؤلاء مصلحة في عرقلة أي تطور سياسي يحصل في مصر. المسألة بالنسبة إليهم مسألة حياة أو موت. لذلك انشأوا فرق «جنجويد» خاصة بهم على الطريقة السودانية. استخدم «جنجويد مصر» الجمال والخيول في مهاجمة المتظاهرين. خلقوا من دون شك واقعاً جديداً، لكنهم لن يتمكنوا في نهاية المطاف من إعادة عقارب الساعة إلى الخلف. لعب الأغنياء الجدد في مصر دوراً أساسياً في تأليب الرأي العام على الحكم القائم وفي جعل القوات المسلحة تتخذ موقفاً متضامناً مع المطالب الشعبية التي وصفها ناطق عسكري بأنها «مشروعة».

وفي تونس، كانت الشكوى عارمة، حتى في الأوساط الحزبية النافذة، من رجال الأعمال المرتبطين بالأسرة، اسرة السيدة ليلى طرابلسي زوجة الرئيس بن علي. لم يكن مسموحاً بإقامة أي مشروع كبير في البلد من دون المرور بهؤلاء الذين كانو يصرون على تقاسم الحصص مع المستثمرين في غياب القضاء المستقل!

أما العامل الثالث الذي يجمع بين الثورتين فهو موقف الجيش في كل من تونس ومصر. كان الجيش وراء اقصاء زين العابدين بن علي والانتهاء من حكم العائلة. وكان الجيش وراء فرض تعيين نائب لرئيس الجمهورية في مصر بعدما رفض الرئيس مبارك ذلك طوال ثلاثين عاماً. في الحالين حولت المؤسسة العسكرية نفسها إلى ضامن للسلم الأهلي ولعملية الانتقال إلى مرحلة جديدة. لم يعد مكان لا في تونس ولا في مصر لرئيس للجمهورية يبقى في موقعه مدى الحياة.

في كل من تونس ومصر، لم يفرض الجيش الأمن، أو لنقل حداً أدنى من الأمن إلا بعد حصوله على تنازلات معينة. أكدت المؤسسة العسكرية أنها صاحبة الكلمة الفصل خصوصاً بعد تفكك المؤسسة الأمنية التي انشأها زين العابدين في تونس وانهيار الأجهزة التابعة لوزارة الداخلية في مصر.

تبقى تونس تونس ومصر مصر. تبقى هناك فوارق كبيرة بين البلدين، خصوصاً أن الفقر في مصر لا يمكن مقارنته بالفقر في تونس حيث نجح بن علي بتوسيع الطبقة المتوسطة. ولكن يبقى أيضاً أن الثورتين ليستا نهاية الثورات. انهما مجرد بداية لمسلسل الأحداث التي تبدو العام 2011 حبلى لها!



خيرالله خيرالله

كاتب لبناني مقيم في لندن
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي