علي سويدان / مصر... والعسل الأميركي

تصغير
تكبير
بالتأكيد أن الذين نزلوا إلى الشارع متظاهرين ومحتجّين في مصر، من شمالها إلى جنوبها، هم أكثر من الذين يتَّجهون عادةً إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات وعلينا أن نحترم مطالبهم. لِنَتَنَفَّس الصعداءَ جميعاً، فهناك خلف المحيط الأطلنتي تبدأ الحكاية، وهنا في بلاد العرب لا تنتهي فصول تلك الحكاية، ما لم يُنْجِزْهُ بوش الأب في شرقنا الكريم تابعَ فصولَهُ بوش الابن! صحيح أن الديموقراطية الأميركية تمثل صورة جميلة لممارسة الحريات والتعبير عن الرأي إنْ قارنّا ذلك بسقف الحريات عند العرب، لكن وصولُ أيِّ رئيس أميركي للبيت الأبيض لا يتم إلاّ بمعادلة أميركية داخلية وللقوى اليهودية هناك الدور الفاعل في مجريات انتخاب الرئيس، فالإعلام الأميركي، والمال الأميركي في الداخل تهيمن على سياسته قوىً يهودية؛ فمع أن اليهود يشكلون 3 في المئة فقط من تعداد سكان الولايات المتحدة، ويشكلون 11 في المئة ممن يطلق عليهم (الصفوة) ولكنهم يشكلون ما يزيد على 25 في المئة من الصفوة بالصحافة والنشر، وأكثر من 17 في المئة من رؤساء المنظمات التطوعية والعامة، وأكثر من 15 في المئة من المناصب الرسمية المهمة، كل هذه النِّسَب اليهودية تؤثر مباشرة في انتخاب الشعب للرئيس هناك، إنها أكذوبة الحرية التي ينادي بها الغرب وتتصدرهم أميركا، فبينما يقف النظام في مصر موقفَ الْمُحرَجِ أمام شعبه وأمام العالم، علينا أن ننظر إلى أميركا ونظامها نظرةً تُشعرها بالإحراج نفسه؛ فالرئيس أوباما وكل من سبقه من رؤساء لأميركا لم يصلوا إلى البيت الأبيض باقتراع حقيقي! لو تركنا الشعب المصري على حريته كما هو في الشارع اليوم لَما اختار تلك الشخصيات التي تحكمه، تماماً كما الشعبُ الأميركي لو تُرك على حريته دون دور يهودي سياسي ومالي وإعلامي لَما اختار تلك الشخصيات التي عرفناها في الشرق أكثر مما يعرفها الأميركيون أنفسُهم! انتخابُ الرئيسِ في أميركا ليس أفضل من انتخاب الرئيس في بلاد العرب؛ فلو جئنا بحلويات وسكَّريات ووضعناها أمام خليةٍ من النحل سيأكل النحلُ السكرَ وسيُخرِجُ لنا عسلاً مغشوشاً ومزوَّراً لأن ذاك العسل لم تحصل عليه النحلةُ بحركتها الفطرية رحيقاً من الزهر، بل تم خِداعُ النحلة فأنتجتْ عسلاً مغشوشاً؛ تماماً كما تمَّ خداع الشعب فكانت نتيجة الانتخابات مغشوشة! وانظروا كيف اعتبر أوباما الثورةَ التونسية شأناً داخلياً يحترمُ فيه اختيار الشعب، بينما يطلب من مبارك في البداية ان يسرع في تلبية مطالب شعبه، ثم يعود يقول: أن على مبارك أن يبقى حتى يضمن انتقالاً سلمياً وسلساً للسلطة في مصر! والقصة وحبْكَتُها تكمن بمن سيتولى الأمر بعد مبارك، لأن الأهم في سياسة الرئيس الأميركي ضمان بقاء معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية «كامب ديفيد»، على أوباما حسين ألا يُعرقل حركة الرياح التي تهبُّ على الشرق والتي هبَّتْ مبكرةً على لسان هيلاري كلينتون، وأن يسيرَ نحو مشروع الشرق الجديد وإلاّ ستكون نهايته قبل نهاية ولايته؛ إما بفضيحة كما حصل مع بل كلينتون أو بغير ذلك، لذا رأينا تشديد اللجنة الرباعية في دعوتها (لضرورة استئناف المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيلين نظراً لما يحدث في مصر)، إذاً برعايةٍ دقيقة للوبي اليهودي في أميركيا جاء بوش الأب وورَّثََها لبِلْ كلينتون فأُطيحَ بكلينتون ثم جاء الوريثُ «الديموقراطي» بوش الابن واليوم أُوباما. سنخطئُ خطأً كبيراً إن ظننا أن أميركيا جمهورية ديموقراطية، إنها مملكة تقوم على مصلحة إسرائيل في توريثِ رؤسائها بشكل انتقائي ومدروس... ولسنا أفضل منهم.





علي سويدان

كاتب وأكاديمي سوري

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي