هناك فجوة كبيرة بين حكوماتنا في دولنا العربية وبين شعوب هذه الحكومات، وهذه الفجوة فجوة ثقافية وحضارية وتكنولوجية... فالحكومات متأخرة جداً عما وصلت إليه الشعوب من هذه النواحي، وهذه الفجوة هي التي تسبب المشاكل السياسية التي تمر بها البلاد العربية على اختلاف درجاتها وقوتها.
في الكويت مثلاً، وأظن الحال كذلك في كل دولنا، لو راجعت أي دائرة حكومية فستجد فرقاً شاسعاً بين مستوى أثاث هذه الدوائر وأثاث منزلك، وستجد فرقاً حتى في مستوى النظافة والأفضلية قطعاً لمنزلك باستثناء مكاتب الوزراء وكبار الموظفين، هذا مثال مادي لهذه الفجوة للتدليل على الفجوة الثقافية.
قارن بين أداء الحكومة في جميع المجالات وأداء القطاع الخاص ستجد أن الأسبقية للقطاع الخاص... وأقرب مثال: وزارة الكهرباء لها ديون تقارب 400 مليون على المواطنين تعجز عن تحصيلها بينما شركات الاتصال في الدولة لا تترصد لها ديون على المواطنين إلا ما ندر، ورغم قلة بعض المبالغ إلا أنها تتخذ الاجراءات لتحصيلها.
هذا مثال للفجوة المادية بين الحكومة والشعب، وبالتالي فإن ما نقصده أكبر إذ ان المستوى الثقافي عند الشعوب أصبح أكبر بكثير من المستوى الثقافي لدى الحكومات، ومستوى استخدام التكنولوجيا لدى الشعوب فاق بمرات كثيرة مستوى حكوماتهم. نحن نتكلم عن الحكومات كأداء لا كأفراد أو كفريق عمل لا كأشخاص كلا على حدة.
الفجوة والفروقات أصبحت واضحة وجلية، الحكومات تأخرت كثيراً باللحاق في ركب الثقافة والتكنولوجيا والتطور وسبقتها شعوبها... ونعني بالشعوب هنا العموم الأغلب إذ ليس للنادر حكم، وخاصة جيل الشباب من هذه الشعوب.
أحد أهم أسباب الأزمات السياسية التي تعيشها أغلب الدول العربية، إن لم تكن كلها هي هذه الفجوة، وقد تظهر آثار أكبر بكثير مما ظهر إلى وقتنا هذا.
حكومة دبي كمثال لعلها الحكومة الوحيدة التي وعت أن تقليل هذه الفجوة هو سر النجاح، ولذا عملت على تطوير نفسها، وواكبت عملية التطور الثقافي والتكنولوجي حتى استطاعت أن تكون سابقة أو مساوية لمن تدير، وهنا نحن نتكلم عن هذه الناحية فقط بغض النظر عن مدى نجاح تجربة حكومة دبي في مجالات أخرى أو فشلها، ولعل أهم أسباب نجاح هذه الحكومة هو تنبهها لضرورة سد هذه الفجوة أو تقليلها لتواكب التطور.
هناك جيل من الشباب في الوطن العربي على قدر كبير من الثقافة والتطور واستخدام الوسائل الحديثة، يطلع على تجارب العالم المتطور ويلاحظه، له طموحه وآماله، ويقاد ويحكم من حكومات وقف بها ركب التطور منذ أكثر من 40 عاماً... هذا الجيل كما أنه ثروة أي بلد ينتمي لها، هو أيضاً قنبلة موقوتة إن لم تستوعبه الحكومات وتحاكي آماله وطموحاته.
أيها السادة... الثقافة قطار يسير بسرعة تزيد على سرعة الضوء، العالم من حولنا يتطور بشكل مخيف، وشبابنا في كل أوطاننا العربية هم أكثر من يتابع هذا التطور ويتعلمه ويدخل فيه، لكنه يصطدم بحواجز «التمسك بالماضي»، والبقاء ضمن ثقافات مضى عليها الزمن وهنا يكون الانفجار يوم أن يلتقي الحي بالميت، والمتحرك بالجامد، والمتطور بالبائد.
فجوة ثقافية إن لم تنتبه لها وتعالج الحكومات الخلل في أدائها وتطور من نفسها وتستوعب هذا الشباب فسيكون عامل هدم لها لأنه لا يقبل البقاء ضمن الأموات.
هل نعي هنا في الكويت حجم الفجوة بين حكومتنا والشعب... خاصة الشباب منهم؟ هنا يكمن سر نجاح أي حكومة.
محمد صالح السبتي
كاتب كويتي
[email protected]