خيرالله خيرالله / بعد 12 عاماً على غيابه... الملك حسين حاضر!

تصغير
تكبير
في فبراير من العام 1999 غاب الملك حسين بعدما قاوم المرض طويلاً وسعى حتى اللحظة الأخيرة من حياته الى دعم قضية السلام في المنطقة. الآن، بعد اثني عشر عاما على غياب ذلك الملك الحقيقي، نكتشف كم أن العرب في حاجة إلى الحسين وحكمته وبعد نظره أكان ذلك على الصعيد الداخلي أو الإقليمي. في هذه الأيام، مع دخول الشرق الأوسط مخاضاً صعباً وأليماً، سيؤدي إلى تغيير في الأنظمة والخرائط، يبدو الملك حسين حاضراً أكثر من أي وقت أردنياً وعربياً. غاب الصوت الذي يستطيع قول ما يجب أن يقال ويحاول وضع حدّ لكل أنواع التطرف والبحث عن مخارج. باختصار شديد، لم يعد هناك زعيم عربي يمتلك ما يكفي من الشجاعة كي يقول للإسرائيلي أن كفى تعني كفى وللأميركي أن السياسة المتذبذبة لواشنطن لا يمكن أن تقود سوى إلى مزيد من عدم الاستقرار على الصعيد الإقليمي.

لم يعد هناك أيضاً زعيم عربي يتجرّأ على القول لبعض العرب وغير العرب الموجودين في المنطقة أن الابتزاز ليس سياسة وأن استخدام الإرهاب أو ممارسي الإرهاب لتحقيق مآرب سياسية، على غرار ما حصل في لبنان أخيراً، تعبير عن إفلاس شديد لا أكثر ولا أقلّ.

يتبين كل يوم أن الملك حسين كان زعيماً فريداً من نوعه وأنه لو استمع العرب إليه لكانوا في وضع أفضل بكثير مما هم عليه الآن. منذ البداية، سقط العرب في لعبة المزايدات. سقطوا في لعبة العجز عن التفريق بين الهزيمة والانتصار التي في أساسها نتائج حرب السويس في العام 1956. لم يفهم العرب ان حرب السويس كانت هزيمة مصرية وأن الانتصار كان انتصاراً أميركياً على فرنسا وبريطانيا وإسرائيل وليس انتصاراً عربياً على ما سمّي الاستعمار. كلّ ما في الأمر أن أميركا كانت تريد توجيه رسالة إلى أطراف العدوان الثلاثي فحواها أن ليس مسموحاً لأي حليف لها، مهما كان قريباً، الدخول في حرب من دون اذن منها... فاجبرت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على الانسحاب من الأراضي المصرية. لم يفهم العرب شيئاً مما حصل باستثناء الملك حسين الذي أدرك حجم المأساة العربية، فاضطر مجبراً إلى اعادة النظر في المسيرة الديموقراطية التي كان باشرها الأردن باكراً.

عرف الحسين كيف يحافظ على الأردن في مواجهة العواصف التي هبت على الشرق الأوسط وأطاحت أنظمة عدة وانهت الحياة الحزبية والنيابية وكل ما هو حضاري أو على علاقة بالحضارة والتمدن في العراق وسورية، بعد مصر، وفي دول أخرى في المنطقة. كادت تلك العواصف التي قادت إلى هزيمة 1967 أن تقضي على لبنان لولا تركيبته المتينة وصيغته المتميزة التي مكنته، بحسناتها وسيئاتها، من مواجهة الهجمات المستمرة التي تعرّض لها منذ العام 1969 تاريخ توقيع اتفاق القاهرة المشؤوم، الذي شرّع السلاح غير الشرعي على أرضه، وحتى منذ ما قبل ذلك.

عرف الملك حسين منذ البداية أن عليه قطع الطريق على مشروع الوطن البديل. بعد خسارته القدس والضفة الغربية بسبب رعونة جمال عبد الناصر، الذي لا يزال للأسف الشديد بين العرب من يمجّد هزائمه، أنقذ القضية الفلسطينية في العام 1970. حصل ذلك عندما قضى الجيش العربي، أي جيش المملكة الاردنية الهاشمية على مسلحي الفصائل الفلسطينية الذين أقاموا دولة داخل الدولة في الأردن وسعوا الى القضاء على مؤسسات المملكة. اظهر ياسر عرفات وقتذاك ضعفاً شديداً وضحالة سياسية عندما عجز عن اتخاذ قرار حاسم برفض إقامة مربعات أمنية للفلسطينيين في الأردن.

بعد أحداث 1970، كانت هناك ثلاث محطات أساسية أظهرت مدى بعد نظر باني مؤسسات الدولة الأردنية الحديثة. كانت المحطة الأولى صيف العام 1988 عندما اتخذ الحسين قرار فك الارتباط مع الضفة الغربية. وضع اللبنة الأولى لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة التي لا بد أن ترى النور يوماً. تجاوز العاهل الاردني، الذي رسم حدود الدولة الفلسطينية، الاساءات التي استهدفت الاردن، بما في ذلك قرار القمة العربية التي انعقدت في الرباط في العام 1974 والقاضي باعتبار «منظمة التحرير الفلسطينية» الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. اتخذت القمة ذلك القرار نتيجة ضغط مارسه وقتذاك الرئيس الجزائري هواري بومدين، الذي منعه الأفق السياسي الضيق الذي كان ينظر من خلاله إلى الأمور، من التفكير بالنتائج القانونية لخطوة من هذا النوع، خصوصاً أن الضفة الغربية كانت تحت السيادة الاردنية عندما احتلتها إسرائيل.

تجاوز الحسين كل ذلك، وترك الضفة الغربية للفلسطينيين، خصوصاً بعد اندلاع الانتفاضة الأولى غير المسلحة في خريف العام 1987 وبداية 1988، علماً أن حجتهم القانونية كانت أقوى لو تركوا الأردن يستعيد الضفة والقدس الشرقية بما يسمح باقامة دولة كونفيديرالية في اطار تسوية شاملة في المنطقة... قد تأتي أو لا تأتي في يوم من الأيام.

كانت المحطة الثانية اجراء انتخابات في الأردن بعد اضطرابات اجتماعية تسببت بها أزمة اقتصادية واجتماعية في العام 1989. استخلص الملك العبر من الاضطرابات. أدرك أن العالم يتغيّر. لم يردّ على الاضطرابات بالقمع ولم يستخف بما شهدته مدن أردنية، خصوصاً معان. تخلى عن الحكومة التي كانت وقتذاك برئاسة السيد زيد سمير الرفاعي ووضع الأسس لسلسلة من الاصلاحات السياسية توجت باجراء انتخابات اقتصرت على الضفة الشرقية. أدت تلك الانتخابات إلى استيعاب الإسلاميين وكل القوى التي كان يمكن أن تستفيد من أي نوع من الاضطرابات والتململ. وكان رجل تلك المرحلة الشريف زيد بن شاكر (أصبح أميراً في ما بعد). كان الأمير زيد شخصية جامعة تتمتع باحترام واسع لدى معظم الاوساط الاردنية.

تفرد الحسين بين حكام المنطقة بالقدرة على رؤية العالم يتغيّر وبداية النهاية للحرب الباردة. استشف المستقبل. ليس صدفة أن الانتخابات الاردنية جرت يوم الثامن من نوفمبر 1989 عشية سقوط جدار برلين...

في تلك المرحلة، مرحلة بداية انهيار الاتحاد السوفياتي، ذهب الحسين إلى الاصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. في المقابل، ذهب صدّام حسين إلى مغامرة مجنونة تمثلت في احتلال الكويت غير مدرك لخطورة تلك الخطوة على مستقبل العراق والتوازن الإقليمي. أسس الملك حسين لدولة المؤسسات في الأردن، في حين اسس صدّام لانهيار العراق وللنظام الإقليمي والعربي. هذا الانهيار نشاهده كلّ يوم، بل ساعة بساعة، على شكل مسلسل متسارع الأحداث تنقله إلينا الفضائيات بشكل مباشر.

كانت المحطة الثالثة توقيع معاهدة سلام مع إسرائيل في العام 1994. حفظت المعاهدة للأردن حقوقه في الأرض والمياه وحالت دون تحوله إلى ساحة للتجاذبات الإقليمية كما حال لبنان والأراضي الفلسطينية حالياً. قطع الملك حسين، مستغلاً الفرصة التي قد لا تتكرر، الطريق على مشروع الوطن البديل الذي كان ولا يزال اليمين الاسرائيلي يعمل من أجل تحقيقه. هل من خدمة أكبر من هذه الخدمة تقدم إلى الأردنيين والفلسطينيين وللعرب عموماً؟

غادرنا الملك حسين بعدما بنى دولة مؤسسات واضحة الحدود وبعدما سعى الى تشجيع الفلسطينيين على إقامة دولتهم المستقلة التي ترفضها إسرائيل. لم يكن الحسين انساناً عادياً لسبب واحد على الأقلّ يكمن في أنه كان متقدماً على غيره من زعماء المنطقة عشرين عاماً في أقلّ تقدير. والأهم من ذلك كله، أنه كان يقود الشارع الأردني بدل أن ينقاد له. كان زعيماً عربياً لم يدرك العرب يوماً قيمته، بل ظلموه وظلموا الأردن وظلموا عائلته الهاشمية. قابلوا ما قدمه لهم من خدمات بالجحود ولا شيء غير الجحود!

كم نفتقد اليوم الملك حسين. بعد اثني عشر عاماً على وفاته، تبدو الحاجة إليه أكثر من أي وقت. ثمة حاجة إلى انصافه، بصفة كونه أهم زعيم عربي في التاريخ الحديث. يكفي أنه بنى دولة حديثة من لا شيء ووقف في وجه أطماع إسرائيل وحاول دائماً إعادة العرب إلى رشدهم من دون أن تتلوث يده بالدم، حتى بدم الذين حاولوا قتله...





خيرالله خيرالله

كاتب لبناني مقيم في لندن
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي