لم يكن حكم الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي حكماً عادلاً في تونس، بل كان حكماً طاغياً، وظالماً بمعنى الكلمة، جوّع فيه شعبه وأذلهم ونهب ثرواتهم وأراهم الويل، وملأ بلاد تونس بالمفسدين والعابثين، لقد كان الرئيس المخلوع بن علي الهارب إلى الشقيقة السعودية يحارب الإسلام والمسلمين ويمنع حتى الأذان في المساجد، ويعزز حملاته الشرسة بالحديد والنار والسلاح حتى ملئت السجون والزنازين بالمعارضين والمساكين من التونسيين الشرفاء، فلم يجعل هؤلاء الشرفاء الأحرار «التونسيين» الطاغية بن علي يستمر في طغيانه وجنونه بل أعطوه درساً كان يستحقه منذ زمن بعيد، ولعل من أهم ثمار التحرير من جبروت الرئيس المخلوع «بن علي»، رسالة للأمة المظلومة أن بإمكانها التغيير والتحرر من الظلم والبطش والطغيان، فما أسهل من الإطاحة بالعروش المهترئة التي لا سند حقيقيا لها ولا سلطان، والعقبة الوحيدة التي قد تحول بين الناس في تحقيق الغايات والأمنيات هو فقدان القيادة المخلصة وما أكثرهم في هذه الدنيا، ولكن هناك شيء يجب أن يتعلمه القادة المعششة على عروشها أن الشعوب لا يمكن أن تُقاد وهي التي تحدد مصيرها بنفسها إن طغى الظلم والفساد، فهنيئاً لأهل تونس على وقفتهم التاريخية الشجاعة وتضحياتهم النبيلة، وهنيئاً للمسلمين في تونس حينما كسروا حاجز الصمت والخوف، ليقدموا برهانا عظيما للأمة العربية والإسلامية على انها ليست عاجزة عن التحرر من القيود العلمانية الفاسدة، بل ضربوا لنا نموذجاً حياً لقدرة الأمة على التغيير فيما إذا أرادت وحزمت أمرها، فالهاجس الحقيقي الآن في تونس أن يكتفي شعبها المسلم بتغيير الوجوه الشاحبة ذات الصفات الإجرامية على ممتلكات الشعب والدولة، فلا نريد لتونس أمثال بن علي ولا نريد لتونس أن تكون عراقا ثانيا أو أفغانستان ثانية! يجب أن يعلم العالم أن لا نهضة للمسلمين إلا بإسلامهم، ولا عدل ولا إحسان إلا بتطبيق شرع الله العظيم، فلا قوانين البشر تنفع ولا سواه، ويقول الله سبحانه في كتابه الكريم «فأما الزبد فيذهب جفاءً، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض» صدق الله العظيم.
نعم لا نريد لتونس أن تستمر بدستورها الغربي وهي ترزح تحت ربقة الاستعمار الذي اتخذ البلاد له مرتعا خصبا ومسرحا للحرية الزائدة إلى أن انتشر فيها الفساد... ومن هذا الجانب نحذر الشعب التونسي المناضل من كل رجالات النظام التونسي السابق التي احتضنتهم الدول الغربية وقادتهم إلى الانحطاط والفساد، ونقول لهم ان تونس عربية لا يمكن أن تنسلخ من هويتها العربية والإسلامية، ولا يمكن أن يصبها الاحتلال الغربي مرة أخرى، وستظل تونس هي تونس الخضراء كما نعرفها منذ مئات الأعوام... فقد كانت ثورة الشعب التونسي التي أطاحت بالرئيس زين العابدين بن علي يوم 14 يناير الجاري بمثابة الطعنة التي هزت عروش الطغاة في العالم، فهنيئاً للشعب الوفي الذي اختار الحرية عنواناً له، ولكننا لا نريد بحكومة وحدة وطنية تسير شؤون تونس موقتا من الخارج ولا نريدها أن تكون امتداداً لحكومة الطاغية المخلوع زين العابدين بن علي، فلا نريد للجوع والفقر والمرض والبطالة والجور والظلم والفساد أن ينتشر مرة أخرى في البلاد بعد أن سالت الدماء الزكية من الشعب طوال ثلاثين يوماً، وكلنا يتذكر شرارة انتفاضة الأحرار في يوم 2010/12/17، فيا أيها الشعب التونسي، إن تلك الدماء تناديكم ألا تضيعوها سُدى بسكوتكم على النظام الوضعي الجائر فوق رقابكم، إن تلك الدماء تناديكم أن تقلعوا النفوذ الغربي وأدواته وعملائه المطبوعين بثقافته الزائفة من دياركم، ان تلك الدماء تناديكم أن هكذا تكون الحياة الطيبة ويزول الشقاء بنبذ قوانين البشر واتباع قوانين رب البشر، نعم هكذا هي تونس الخضراء وشعبها الحر الأبي، وهكذا كان أبناؤها الأحرار، رجالا مجاهدين للحق.
«رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وايتاء الزكاة، يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار».
يقول الشاعر التونسي الراحل «أبوالقاسم الشابي»:
إذا الشعب يوماً أراد الحياة
فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي
ولا بد للقيد أن ينكسر...
... ولكل حادث حديث.
علي محمد الفيروز
كاتب وناشط سياسي
[email protected]