علي سويدان / شرق أوسط... عجيب!

تصغير
تكبير
لا نريد أن نوسِّع شعورنا بتآمر الآخرين علينا ونذهب بعيداً فنربط بين ما يحدثُ في تونس وما يحدث في السودان وما يجري في لبنان وما يحدث من قلاقل هنا وهناك في بلادنا العربية، ولكن لسنا ننكر نحن الشعوب العربية أننا لا نتحرّكُ تجاه التغيير إلاّ إذا وصل الأمر إلى الطعام وغذاء البطون، أما حين يكون الخِناقُ مُحكماً على العقول فالأمر لا يعنينا! هذا إن سلَّمنا جدلاً أن ما حدث ويحدثُ في تونس سببهُ الغلاء وضيق العيش، ليس دفاعاً عن الأنظمة الحاكمة في شرقنا اليوم، وبعيداً كلَّ البعد عن الانجراف مع حمية الشعب والحركة الشعبية في الشارع ففي دائرة الوطن الواحد يبدو أننا نستجيب أحياناً للثورة ضدَّ بعضنا بحماسة تفوق تلك الحماسة التي يمكن أن نُسخِّرها ضد أعدائنا من الخارج، ولعلنا لم نُقصِّر في عموم تصريحاتنا في مقارنات بعيدة بين تونس وغيرها من البلاد العربية وفي إبراز لغة الشماتة فيما يحدثُ في تونس متجاهلين خيْريَّةَ التصالح التي يمكن أن نسعى لإرسائها بين التونسيين سوى ما ألمحتْ إليه المملكة العربية السعودية، ومن العجيب أنَّ فرنسا التي أبدتْ رضاها تجاه جملة الإصلاحات التي دعا إليها الرئيس زين العابدين بن علي كانت أوَّل الرافضين لاستقباله لأنها أيْ فرنسا ما زالت أيديها ملطَّخة بالأمس بدماء التونسيين وما زالتْ تتحرك الآن في تونس وعموم دول المغرب العربي التي احتلَّتْها يوماً ما، وفي الوقت ذاته ما زالت تلك الدول في مغربنا العربي تفتح الباب على مصراعيْه لتدخلات فرنسا؛ أما الصديقةُ أميركا فهي تحترمُ اختيار الشعب التونسي! مفارقاتٌ ليست عجيبة إن كُشفتْ أوارق المصالح لدول الغرب تجاه دولنا العربية، فالسودان الذي دفعت معظم الدول الغربية تجاه إدانته بتجاوزات وانتهاكاتٍ إنسانية واتُّهمَ بها الرئيس السوداني عمر البشير هي الدول الغربية ذاتُها التي أعلنت من يوميْن على لسان مكتب الرئيس الأسبق جمي كارتر نزاهةَ الاستفتاء على انفصال الجنوب! إذنْ بالأمسِ إدانةٌ وتضييقٌ ضد وحدة السودان، وتشجيعٌ على انفصال جنوبه اليوم! إنها لغة المصالح التي تلبسُ السياسة كل يوم لوناً من ألوانها، والخطأ الفادح الذي يمارسه بعض الساسة العرب هو فتح باب الصراحة مع الغرب وإطلاعهم على بعض الأسرار والاطمئنان إليهم والعلاج عندهم، أمّا الخطأ الذي تُمارسه الشعوب فهو كامنٌ في الاستجابة للعواطف في ثوراتٍ لا طائلةَ من ورائها سوى تمرير ما يُضعف الأمة وفيه إزهاقٌ للنفوس ومضيعةٌ للوقت والجهد والمال.





علي سويدان

كاتب وأكاديمي سوري

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي