علي سويدان / العصافير... حرام!

تصغير
تكبير
لقد قدَّر الربُّ سبحانه وكتب بعلمه الحياة للبشر والامتحان لهم ليميز الصالح من الطالح؛ ولم يرسلِ الرسلَ والنبيينَ إلاّ لِيُقيمَ الحجَّة على الظالمين، وقد صوَّر لنا الأنبياءُ عبر العصور صُوراً خالدة من الاعتدال في الفكر والسلامة في القلب والاستقامة في الأداء والسلوك، وليس في تلك المنظومة بين السماء والأرض سوى دلالة واضحة على عدلٍ إلهيٍّ مطلق، وامتحان حقيقي لبني البشر، إن لهذا الإنسان الذي خلقه الربُّ ونفخ فيه من روحه حقوق دعت إليها الرسالات السماوية وأكدت عليها العقول السليمة وحمتْها القوانينُ البشرية، والمسلمون اليوم هم في أمس الحاجة لمراجعة فهمهم لفلسفة العلاقة بين السماء الأرض، وإعادة النظر في نمط استدعاء الأفكار المرتبطة بالدين وحقوق البشر بتسلسل عقلاني ينبع من الاعتدال في الفهم ومحض الحرية التي لا تتعدى إلى حريات الآخرين، إن هيكلية النظام السياسي والمدني التي وضعها النبي الكريم في المدينة بعد الهجرة من مكة ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بحماية أفكار الناس ومنحِهِم أريحيةً في ممارسة دينهم مسلمين كانوا أو يهوداً أو نصارى، والراصدُ للسيرة النبوية الشريفة وللأحاديث الصحيحة يبرز له أن مُجمَل أداء النبي الكريم يعتمد بممارسته على لغة التبليغ والنصح والدعوة إلى الصلاح في الأمور التي تتصل بالفكر والنوايا والعلاقات العامة والسلوكيات الخاصة بالبيوت وأسرارها وغير ذلك من حاجات الناس، فلم يعتمد نظام الحكم اليومي في مجتمع المدينة المنورة آنذاك أيَّ لغةٍ تُجبر الناس على دين بعينه أو فكر محدد بل هو أداء دعويٌّ مزيجٌ بين الترغيب والترهيب، إن الحرية وما نسميه اليوم ديموقراطية كان أمراً واضحاً كالشمس في ذلك المجتمع، ولكن في الوقت ذاته كان للقانون هيبته التي تحفظ حقوق الأفراد وترعى حرية اختيارهم لدينهم، وتحمي أنفسهم وتحفظ سلامة عقولهم وتحافظ على أموالهم وتردع مَنْ يمسّ أعراضهم، علينا أن نحذَر من الخلط بين استخدامٍ لسلطة القانون في حماية الحقوق وبين استغلال تلك السلطة في إحراج أو إجبار الناس على تبني دين معيَّن أو إعطاء المجتمع من خلال التعليم أو الإعلام صبغةَ فكرٍ خاص، صحيح ما جاء بالأثر: (أنَّ الله لَيَزَعُ بالسلطان ما لا يزع بالقرآن)، هذا في مجال إضفاء هيبة القانون لحماية الحقوق في المجتمع، وفيه بيانٌ لضبط الأداء البشري وعدم التجاوز تجاه الآخرين، أما أن نطمح أن نُلْزِمَ الناس فندفعهم بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر إلى ما توصَّلت إليه قناعاتُنا، فهذا أمر مقلق في مجتمعات العرب والمسلمين، وربما يُبشِّرُ بانتشار الأفكار المشوَّة التي يتأثر بها الناس بالتغرير أو بالتحمُّس أو بالإحراج أو بالاستدراج! وكل ذلك مخالف لما جاءت به الكتب السماوية، لأنَّ القناعات تتبدَّل والآراء تتغير، والخبرات والأحداث تتوالى وينسخ آخرُها أوَّلَها، وقد منح الربُّ جلَّ في عُلاه الحريةَ لمن اختار دينَه ولم يصادرِ الحريةَ ممن أعرض عن الدين وهو أمر مهم ولعله خطير، فما بالُنا بأمور أدنى أهمية من ذلك نُقحم أنفسنا فيها وربما ألزَمْنا الآخرين بها؟! إنَّ استسهال الخوض في مسائل التحليل والتحريم في الدين يدعوا المجتمعَ إلى الحذر بل التوقف عند قول عالِمٍ أو فتوى مُفتٍ، من أجل البحث للوصول إلى أصولٍ استند إليها المفتي في فتواه، فمن المؤسف أن تشطَّ عقولُنا فنُعَمِّمَ على الناس فهمنا للنصوص التي اختلف فيها السابقون وقد وسعنا ما وسعهم، فنميل في مسألة التحليل والتحريم وهي مسألة خص الإلهُ العظيمُ بها نفسَه ولم يتركها لبشر، ولعل تهاوننا نحن العرب في إضفاء الهيبة على القانون وتساهُلنا بعدم إبراز الخطوط الحمراء في القانون، واستجابتُنا لمن يسعى لإلزام الناس بما هو محل اجتهاد في أمور الدين فيضفي على ما هو محلُّ خلاف بين العلماء والعقلاء فيجعلهُ محظوراً؛ سوف يكون لذلك الأمر تداعيات في فترة من الزمن على أساليب التعامل بين الناس وسيكون لذلك الميل والانحراف في التفكير أثر سلبي على جيل بأكمله يأخذُ أفكاره من الإعلام ومن المدرسة، فإذا كانت الموسيقى حرام، والاختلاط العام حرام، والتصوير حرام، وصورة الوجة حرام، والمرأة عورة، وصوتُها أيضاً حرام... أخشى أنْ نشْطَح بعيداً فيصبح الاستماع إلى غناء العصافير في الصباح أيضاً حراما!!



علي سويدان

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي