خيرالله خيرالله / لبنان والأرقام... التي يهرب «حزب الله» منها!

تصغير
تكبير

أخيراً صدر تقرير فينوغراد الإسرائيلي في شأن حرب لبنان صيف العام 2006. استطاعت حكومة إيهود أولمرت تجاوز محنة التحقيق في ظروف الحرب رغم كل الانتقادات التي وجهت إليها بما في ذلك اتهامها بالتقصير. كل ما في الأمر أن العدو الإسرائيلي حاول الخروج بخلاصة من نتائج هذه الحرب. تقول الخلاصة إن الجيش الإسرائيلي لم يستطع تحقيق أهدافه من خلال الحرب. تبين أنه لم يكن مستعداً لها. تبين أيضاً أنه استخف بقوة مقاتلي «حزب الله» الذين قاوموه ومنعوه من أن تكون حرب لبنان نزهة. تحية لمقاتلي «حزب الله» ولكل شهيد لبناني في تلك الحرب التي كلفت لبنان الكثير والتي لا تزال تكلفه الكثير. ولكن يبقى السؤال الأساسي ما الذي يهم اللبناني من التقرير ومن النتائج التي أسفرت عنها الحرب التي أسفرت بالأرقام، التي لا تدحض، عن هزيمة ساحقة ماحقة للبنان.

ما يفترض أن يهم اللبناني من الحرب هو الأرقام. كم خسر لبنان جراء الحرب؟ كم كان سيربح من دون تلك الحرب التي تسبب بها «حزب الله»؟ بالطبع سيقول الحزب إنه لم يفتعل الحرب وإن إسرائيل كانت ستشن الحرب على لبنان خطف الجنديين عند «الخط الأزرق» المعترف به دولياً أم لم يخطفهما. هذا الكلام مجرد حجج واهية تستهدف الهرب من الواقع والحقيقة والأرقام. كل ما في الأمر أنه كان مطلوباً من «حزب الله» افتعال تلك الحرب كي تتمكن إسرائيل من إعادة البلد الصغير ثلاثين عاماً إلى خلف. الأرقام تتكلم والباقي تفاصيل وكلام من فوق السطوح. كم خسر لبنان؟ كم لبنانياً هاجر من لبنان؟ كم عربياً أو غير عربي توقف عن زيارة لبنان أو الاستثمار في لبنان؟ هل «حزب الله» على استعداد لمواجهة الحقيقة التي اسمها الأرقام، أم يريد الاستمرار في الهرب منها؟

يبقى السؤال الأهم وهو لماذا تحول «حزب الله» إلى الداخل اللبناني في هذا الشكل الوقح بعد الحرب مباشرة؟ إنه السؤال الذي يؤكد أن «حزب الله» افتعل الحرب خدمة للنظام السوري الذي أمره بخطف الجنديين الإسرائيليين بغية استكمال عملية تدمير لبنان ومؤسساته. كل ما في الأمر أن النظام السوري اغتال رفيق الحريري باني لبنان الحديث، وجاءت إسرائيل التي تذرعت بخطف «حزب الله» الجنديين لتدمير مشروع رفيق الحريري، أي مشروع إعادة الحياة إلى لبنان وإلى الصيغة اللبنانية القائمة على العيش المشترك. ولما لم تستطع إسرائيل ضرب البنية التحتية اللبنانية بكاملها، تولى «حزب الله» استكمال المهمة مستعيناً بأدواته المستأجرة من مستوى وئاب وهام أو ميشال عون أو سليمان فرنجية او طلال أرسلان...وما شابه ذلك...

استكمل الحزب الإيراني المُعار للنظام السوري المهمة باحتلاله وسط بيروت بغية المساهمة في تعطيل الحياة الاقتصادية في البلد وإفقار اللبنانيين ودفعهم إلى الهجرة. كيف يستطيع حزب يدعي بأنه إلهي احتلال الأملاك الخاصة والعامة من دون خجل أو وجل ومن دون أن يطرح ولو مجرد سؤال عن حجم الأضرار التي لحقت بعائلات لبنانية نتيجة قطع أرزاق المئات من العاملين في المؤسسات التي أقفلت أبوابها في وسط بيروت؟ هل من قانون إلهي يسمح بمثل هذه الأعمال والتصرفات التي لا يبررها سوى رغبة النظام السوري في الانتقام من لبنان والدعم الإسرائيلي الواضح لهذا التوجه؟

لعل أهم ما في تقرير فينوغراد توقيت صدوره. انتظرت إسرائيل التقرير سنة ونصف السنة. كانت تلك المدة أكثر من كافية كي تتمكن حكومة إيهود أولمرت من امتصاص النتائج. بات في استطاعة أولمرت القول إن الاقتصاد الإسرائيلي حقق تقدماً كبيراً في الأشهر التي تلت توقف القتال مع لبنان. والأهم من ذلك، يتبجح رئيس الوزراء بأن الجليل لم ينعم يوماً بهدوء شبيه بالذي ينعم به هذه الأيام نتيجة التوصل إلى القرار الرقم 1701 الذي تعززت بموجبه القوة الدولية في جنوب لبنان. هذا القرار الذي أتاح للجيش اللبناني العودة مجدداً إلى جنوب لبنان بعد غياب استمر ثلاثين عاماً بسبب المنظمات الفلسطينية في مرحلة معينة والاحتلال الإسرائيلي في مرحلة لاحقة والوجود العسكري لـ«حزب الله» في مرحلة أخيرة استمرت حتى صيف العام 2006.

استوعبت إسرائيل تقرير فينوغراد الذي يحتفل به «حزب الله» وكأنه شكل انتصاراً مبيناً له على العدو. إنها مأساة ليس بعدها مأساة ألا يدرك الحزب بأنه صمد ولم ينتصر وأن انتصاره الحقيقي يكون على الذات أولاً، وذلك تكريماً لشهدائه. والواقع أن تكريم هؤلاء الشهداء الذين استبسلوا في قتال العدو والذين لا يمكن لأي لبناني سوى الانحناء أمامهم، لا يكون بتوجيه السلاح إلى اللبنانيين وإلى الداخل اللبناني. من يعتبر نفسه منتصراً حقيقياً لا يقدم على تهديد اللبنانيين الآخرين ولا يستولي على أرزاق الآخرين وسط بيروت ولا يمنع انتخاب رئيس جديد للجمهورية ولا يغلق قبل ذلك مجلس النواب. المنتصر فعلاً لا يفتعل أحداث الثالث والعشرين والخامس والعشرين من يناير 2007 ثم يتراجع بعدما خذل الشارع المسيحي ميشال عون، وبعدما تبين أن النظام الإيراني لا يرى مصلحة له في فتنة شيعية - سنية في لبنان. من يعتبر نفسه منتصراً لا يهدد اللبنانيين ويتوعدهم، بل يفكر في كيفية المساعدة في الخروج من المحنة التي يمر فيها لبنان بدلاً من العمل على استغلال المحنة لتغطية جرائم النظام السوري وتمكينه من ممارسة سياسة الابتزاز التي لا يتقن غيرها مع العرب الآخرين الذين يمثلهم الأمين العام لجامعة الدول العربية ومع المجتمع الدولي.

أخيراً، من يعتبر نفسه منتصراً لا ينتقم من الجيش اللبناني، بسبب انتصاره في مخيم نهر البارد على عصابة شاكر العبسي السورية، عن طريق افتعال أحداث «الأحد الأسود» على خط التماس القديم بين الشياح وعين الرمانة. للمرة الألف، من يعتبر نفسه منتصراً فعلاً لا يتصرف على أرض الواقع من منطلق أن الانتصار على لبنان بديل من الانتصار على إسرائيل...


خيرالله خيرالله


كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي