د. شفيق ناظم الغبرا / الصراع على باكستان وإسقاطات على العرب

تصغير
تكبير
د. شفيق ناظم الغبرا

إن الصراع من أجل عودة الديموقراطية إلى باكستان لن يكون أمراً سهلاً. فالتفجير الكبير الذي استقبل بنازير بوتو رئيسة الوزراء الباكستانية السابقة منذ أيام يعكس مدى خطورة الوضع في باكستان. فقد تكون بعض مراكز النفوذ في باكستان ضالعة في التفجير، وقد تكون «القاعدة» وأنصارها نفذوا هذه العملية الانتحارية؟ ومن الواضح أيضاً أن برويز مشرف الذي استولى على السلطة في باكستان بانقلاب عسكري عام 1999 لن يستطيع حكم باكستان بلا ديموقراطية وانتخابات ومشاركة بعد أن حكم باكستان بواسطة الديكتاتورية لثمانية أعوام متتالية. إن عدم المقدرة على التحول نحو الحياة الديموقراطية، والتي تتضمن عودة رموز المعارضة لن تترك في باكستان من بديل سوى العرقنة والفوضى ودور أكبر لـ«القاعدة». 


كانت بنازير بوتو، وهي رئيسة «حزب الشعب» الباكستاني، رئيسة للوزراء في باكستان قبل أن تغادرها عام 1999بعد أن أقيلت حكومتها ورفعت ضدها قضايا عدة. وفي الوقت نفسه تحمل بوتو رمزية كبيرة في عودتها ودورها: فهي ابنة رئيس الوزراء السابق ذو الفقار بوتو الذي أعدم عام 1977 على إثر انقلاب عسكري قام به ضياء الحق، وسجنت بوتو لمدة خمسة أعوام في تلك الفترة التي رافقت إعدام والدها، ما يدل على مدى قوتها وتصميمها على لعب دور سياسي في نهوض ونمو باكستان. كما سجن زوجها في باكستان لثمانية أعوام متتالية حتى عام 2004، كما قتل أخواها في ظروف غامضة يرجح أنها من فعل أجهزة أمنية باكستانية. هكذا تبرز عائلة بوتو كعائلة شهداء وفي الوقت نفسه تبرز كعائلة مشابهة لعائلة غاندي في الهند التي قادت الهند في فترات مهمة وأمنت لها الكثير من الاستقرار السياسي.

وكان الاعتقاد منذ انقلاب الجنرال برويز مشرف عام 1999 بأنه يسيطر على الأوضاع في باكستان سيطرة شاملة. ولكن كما هي حال السلطات الاستثنائية في كل مكان، هناك زمن محدد لها سرعان ما ينتهي مفعوله بسبب المعارضة والأخطاء التي يرتكبها. هكذا بدأت سلطة مشرف بالتراجع وبدأت تتعاظم سلطة التطرف الإسلامي، كما بدأت باكستان تفقد السيطرة على مناطق كثيرة في باكستان، خصوصاً المتاخمة لأفغانستان. هكذا أصبحت باكستان معرضة لأن تكون عراقاً جديداً وموقعاً أساسياً لـ«القاعدة».

لقد دفع هذا الوضع بمشرف للتعاون مع بنازير  بوتو، رغم الفوارق السياسية، ساعياً إلى إعادة الحياة السياسية والانتخابات مقابل تقلده موقع الرئاسة. وقد تراجع موقف الجنرال مشرف بشكل كبير هذا العام بعد محاولته إقالة رئيس المحكمة العليا لمعارضته ترشح مشرف لرئاسة البلاد مع احتفاظه بمنصب قائد الجيش، حينها توصل مشرف إلى حل مفاده التخلي عن دور قائد الجيش، وذلك نتيجة الضغط الشعبي والرفض لإقالة رئيس المحكمة.

إن بوتو التي تحظى بشعبية كبيرة، ستدخل في صراع كبير من أجل الفوز بالانتخابات وتشكيل حكومة. إن الانفجار الذي وقع بحق موكبها يشير بوضوح إلى حدة المصاعب التي تواجه باكستان. فلو نجح الانفجار في اغتيال بوتو تكون فرصة الانتخابات في باكستان قد سقطت، ما يفتح الباب للمجهول. إن عودة بوتو مؤشر إيجابي، فهي شخصية لها بعد عالمي، لديها اتجاهات واضحة في تعزيز الحريات والديموقراطية والتنمية الاقتصادية، ولديها في الوقت نفسه القدرة على مواجهة التطرف في باكستان أو امتصاص حركات الاحتجاج على الأوضاع الاقتصادية.

ونتساءل لأي درجة ما يقع في باكستان يحمل معان كبيرة للعالم العربي؟ فـ«القاعدة» موجودة بحدة في باكستان، وكل ما يعزز وضعها أو يضعفها سيؤثر على العالم العربي. ولكن من جهة أخرى، فإن تحديات الانتقال من الديكتاتورية إلى الديموقراطية في الدول العربية الأكبر حجماً والأكثر كثافة في عدد السكان يفرض علينا أن نستعد لهذا الانتقال. إن وجود دور للمعارضة ووجود زعماء معارضين يمكن التعاون معهم للمساعدة على انتقال البلاد من موقف إلى آخر تشكل عناصر علينا أن نتأمل بها، وذلك تفادياً للفوضى والانهيار الشامل. أليست دول عدة في العالم العربي هي الأخرى مقبلة على تجارب قد تكون أكثر حدة مما نشاهد الآن في باكستان؟

 

د. شفيق ناظم الغبرا

أستاذ العلوم السياسية

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي