محمد صالح السبتي / العبث

تصغير
تكبير
هذا نص إعلان مدفوع الأجر نشر في إحدى الصحف المحلية يوم 28/ 9/ 2010 (دعوة... تتشرف لجنة قبيلة(....) في الهيئة العامة للتعليم التطبيقي بدعوتكم لحضور الملتقى الثالث بمناسبة خوض مرشح القبيلة (....) لانتخابات التطبيقي بدعم من وجهاء القبيلة (....) ومرفق بالإعلان مكان إقامة الملتقى وأرقام الهواتف، وفي يوم 29/9 / 2010 نشرت الصحيفة ذاتها إعلاناً آخر كان نصه (شكر وتقدير... تتقدم لجنة قبيلة (....) في الهيئة العامة للتعليم التطبيقي بجزيل الشكر والامتنان إلى أمير قبيلة (....) والنائب السابق (....) ووزير (....)، (....) السابق والنائب (....) وغير ذلك من أسماء، وذلك على دعمهم ومساندتهم لي. أخوكم المرشح (....).

هذا مثال صارخ للعبث وإنعدام المواطنة والالتفاف عليها، نحن لسنا ضد القبيلة فكلنا أولاد قبائل... نحن ضد القبلية حين تكون علاقة الدم والقربى مقدمة على علاقة المواطنة والصالح العام، حين تكون هذه العلاقة هي التي تحدد مسير الإنسان وآرائه ومنهجه، حين يغيب الأفضل والأصلح من أجل علاقة الدم.

لقد هدم النبي (ص) علاقة القبلية، وإن كان امتدح وأبقى على علاقة القبيلة والأقارب. في خطبة الوداع وضع (ص) تحت قدمه دم قبيلته (دم ابن ربيعه بن الحارث، كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل...) لقد صاحب الرسول (ص) بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي، وعادى عمه أبو لهب سليل القرشيين.

ماذا قدم العرب بكل قبائلهم منذ الأزل للبشرية، ماذا لديهم من إنتاج لصالح الأمم، إن أغلب علماء المسلمين الذين أخرجوا للعالم شيئاً يستفيدون منه لم يكونوا عرباً، في قروننا هذه ما هو نتاج قبائلنا وعربنا؟ باختصار... نحن عالة على الأمم الأخرى ليس إلا.

لو كنت وزيراً للتعليم العالي لأصدرت قراراً يقضي بمنع كل من يطرح طرحاً طائفياً أو قبلياً من المشاركة في انتخابات الاتحادات. لو كنت وزيراً للداخلية لحركت دعوى جزائية ضد هؤلاء العابثين في المواطنة، ولو كنت وزيراً للأوقاف لعممت على خطباء المساجد والدعاه أن يحاربوا هذه الآفة الخبيثة، لو كنت مكان د.خالد المذكور، أو د.عجيل النشمي، أو د.محمد الطبطبائي، والذين يقومون مشكورين بالرد على أسئلة الجمهور لخصصت حلقات هذا الأسبوع وما بعده لهدم معاول القبلية وفقاً لتعاليم الاسلام بدلاً من أجوبة الطهارة والحيض والطلاق، لو كنت مديراً للهيئة العامة للتعليم التطبيقي لأنذرت هؤلاء الطلبة الذين بل بالكاد خطت شواربهم ولمنعهتم من الانتخابات، ولالزمت المحاضرين في الهيئة أن يخصصوا خمس دقائق في بداية كل محاضرة لتأصيل مفهوم المواطنة ومحاربة من يريد هدم مبادئها، لو كنت من طلبة الهيئة أو ممن يشاركون في انتخاباتها لتقدمت بطلب للمسؤولين فيها للوقوف دقيقة في بداية كل محاضرة اعتراضاً على هذا التصرف، لو كنت مسؤولاً في الصحيفة التي نشرت هذا الإعلان لامتنعت عن نشره ولو دفع ملايين الدنانير ثمناً له، لو كنت مسؤولاً في شركات الاتصالات والتي يخصها الأرقام المنشورة في الإعلان لفصلت هذه الأرقام عن الخدمة، لو كنت ابناً لأحد القبائل التي تمارس مثل هذه التصرفات لتنادين وأبناء قبيلتي لمحاربة هذه القبلية المقيتة.

إن هذا لهو العبث في الوطن والمواطنة حين يتربى أبناؤنا وهم ما زالوا طلبة على القبلية والموالاة والمعاداة على غير أسس المواطنة... وكم هم محزن أن تستشري بين أجيالنا هذه الآفات.



محمد صالح السبتي

كاتب كويتي

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي