خيرالله خيرالله / أوباما جدي... ولكن ماذا عن نتنياهو؟

تصغير
تكبير
خرجت الوفود العربية التي شاركت في القمة الخماسية التي استضافتها واشنطن أخيراً وضمت الرئيس باراك أوباما والرئيس حسني مبارك والملك عبدالله الثاني ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية السيد محمود عبّاس (أبو مازن) ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بانطباع فحواه أن هناك أملاً في التوصل إلى تسوية ما. انه أمل ضعيف لكنه يستند إلى معطيات لا يمكن الاستهانة بها في أي شكل من الأشكال.

يعود ذلك الأمل إلى أن الرئيس الأميركي أخذ على عاتقه الدفع في هذا الاتجاه، إذ أكد أمام الذين التقاهم أنه لن يألو جهداً في سبيل التوصل إلى اتفاق بين الفلسطينيين والإسرائيليين في إطار تسوية شاملة في المنطقة. بدا باراك أوباما جدياً في مسعاه ولم يخف أنه يعتبر التوصل إلى انهاء النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي أولوية نظراً إلى أن ذلك سيساعد الولايات المتحدة في سعيها إلى الانصراف إلى معالجة قضايا أخرى في غاية الأهمية بالنسبة إليها. يأتي الوضع في أفغانستان على رأس هذه القضايا التي تشمل بين ما تشمل الحالة الفريدة من نوعها التي اسمها باكستان. باتت باكستان تشكل الحديقة الخلفية لحركة «طالبان» التي تتصدى للقوات الأطلسية في أفغانستان وتحمي في الوقت ذاته، ربما داخل باكستان نفسها، وجود أسامة بن لادن وكبار مساعديه من قياديي «القاعدة» في مناطق آمنة خارج متناول القوات الأميركية.

من الأسباب الأخرى التي دفعت إلى بعض التفاؤل بنتائج القمة الخماسية، التي عقدت أصلاً من أجل تغطية العودة إلى المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي تحدث على غير عادته وربما للمرة الأولى عن وجود «شريك فلسطيني» يمكن التفاوض معه. في الماضي، كانت استراتيجية نتنياهو تعتمد على افتراض عدم وجود شريك فلسطيني في عملية السلام. كان يستند دائماً إلى الانقسام القائم بين الضفة الغربية وقطاع غزة من جهة وإلى استمرار إطلاق الصواريخ من غزة من جهة أخرى. الأهم من ذلك كله، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، وعلى غير عادته أيضاً، لم يستغل مقتل أربعة مستوطنين في الخليل على يد عناصر من «حماس»، قبيل هبوط طائرته في واشنطن، كي يضع عراقيل في طريق نجاح القمة الخماسية. على العكس من ذلك، اكتفى نتنياهو بعقد مؤتمر صحافي ركز فيه على البعد الأمني لأي اتفاق يمكن التوصل إليه مع الفلسطينيين، وذلك انطلاقاً من حادث الخليل. وفي القمة نفسها، تجاهل الحادث وحاول الظهور في مظهر «رجل سلام»... قادر على التوصل إلى اتفاقات.

بدا جلياً أن رئيس الوزراء الإسرائيلي لا يريد مواجهة مع الإدارة الأميركية الحالية، أقله في الوقت الراهن. لا شك أن نتنياهو بات يعرف، من خلال خبرته الشخصية، الثمن الذي على أي رئيس للوزراء في إسرائيل دفعه نتيجة مواجهة مباشرة مع أي رئيس أميركي. ربما صار رئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي سبق له أن واجه بيل كلينتون عندما كان الأخير رئيساً، يفكر مرتين قبل أن يقول كلمة لا للمقيم في البيت الأبيض. في النهاية، ليس في استطاعة إسرائيل في هذه المرحلة بالذات التفكير في أي صدام من أي نوع كان مع واشنطن نظراً إلى معرفتها أن لا مجال لاستيعاب ما تسميه «الخطر الإيراني» من دون تنسيق في العمق مع الولايات المتحدة.

بكلام أوضح، تبين لنتنياهو أن عليه استرضاء باراك أوباما عن طريق الاستجابة لرغبته في التوصل إلى تسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين في حال كان يريد أن تكون هناك مشاركة أميركية فعلية في التصدي لـ «الخطر الإيراني» الذي تحول هاجساً إسرائيلياً.

من حق العرب الذين شاركوا في قمة واشنطن التفاؤل بحذر بنتائج القمة وباحتمال تحقيق تقدم على المسار الفلسطيني خصوصاً في ضوء الرغبة الأميركية المعلنة في السعي إلى سلام شامل في المنطقة يشمل المسارين السوري واللبناني أيضاً. ولكن من حق هؤلاء أيضاً عدم الذهاب بعيداً في تفاؤلهم لسببين على الأقلّ.

يعود السبب الأول إلى أن الرئيس أوباما لن يعود رئيساً قوياً بعد انتخابات تجديد قسم من أعضاء الكونغرس في نوفمبر المقبل. كل الدلائل، بما في ذلك استطلاعات الرأي العام، تشير إلى أن احتمال خسارته الأكثرية في مجلسي الشيوخ والنواب وارد جداً. سيكون أوباما بعد انتخابات الكونغرس، على الأرجح، رئيساً ضعيفاً منشغلاً في إعادة ترتيب البيت الداخلي على أمل أن يتمكن من الحصول على ولاية رئاسية ثانية.

أما السبب الآخر الذي يدعو إلى مزيد من الحذر وتفادي الغرق في التفاؤل، فهو عائد إلى أن نتنياهو قد يجد الفرصة المناسبة لفرض أجندته على أوباما الضعيف الذي ستترتب عليه مواجهة مجلسي الكونغرس معاً. وهذا يعني في طبيعة الحال تجاهل التسوية مع الفلسطينيين وجرّ أميركا إلى التركيز على إيران ولا شيء آخر غير إيران. الأخطر من ذلك كله، أن إيران تلتقي مع هذا التوجه بطريقة أو بأخرى من منطلق رغبتها في أن تكون القوة الإقليمية المهيمنة، إلى جانب إسرائيل طبعاً. هل صدفة أن تنفذ «حماس» عملية الخليل الأخيرة في الوقت الذي كانت قمة واشنطن على وشك الانعقاد، هل صدفة التصريحات النارية عن «محو إسرائيل» التي يطلقها الرئيس محمود أحمدي نجاد بين الحين والآخر؟

كان عملية الخليل هدية من السماء لرئيس للوزراء في إسرائيل هدفه التفاوض من أجل التفاوض وليس من أجل التوصل إلى أي اتفاق يستند إلى خيار الدولتين. هل تغيّر بيبي نتنياهو أم أنه سيعود إلى طبيعته الأصلية في غضون أسابيع قليلة لا تزال تفصل عن انتخابات الكونغرس؟



خيرالله خيرالله

كاتب لبناني مقيم في لندن
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي