محمد العوضي / خواطر قلم / البدون كائن حي!

تصغير
تكبير

في الأيام الأخيرة من الفصل الدراسي الماضي، في كلية الدراسات التجارية وبالقرب من غرفة استاذ مادة الحاسوب فرحان العنزي استوقفني طالب في وجهه علامات الوقار وسألني: يا دكتور هل يجوز هذا الذي يمارس ضدنا لمجرد أننا بدون... ودمعت عيناه قبل ان يسترسل في شكواه. ومثل هذا الموقف اتعرض اليه كثيراً في أماكن عدة في المجتمع، والشكوى كانت صادقة وحارة لأنها تحكي الواقع وليست قصة روائي... وقد يبادرني البعض قائلاً يا محمد لا تستعجل في الحكم ونشكرك على عواطفك ولكن القضية أكبر من مشاعر وحسرات... القضية لها ابعادها الأمنية والقانونية والاجتماعية وموضوع السيادة والتركيبة السكانية وأكاذيب و... الخ.

فرق بين هذا الذي تذكرونه وبين الاساءة العامة العلنية التي تتعرض اليها هذه الشريحة المنكوبة، وفرق بين الطلب في التريث والتحقق في من يستحق ومن لا يستحق وبين ان تدخل قضية الآلاف من البدون المسحوقين في لعبة التسويات السياسية والمساومات بالبشر!! لقد اسفت على البدون وعلى سمعة البلد وعلى سقوط كثير من الاعراف السياسية والاحترازات الأمنية وضرب هيبة الدولة والقانون عندما اعلنت وزارة الداخلية اسماء من يستحقون التجنيس في الصحافة، فحصلت معركة بل معارك في البرلمان والصحافة والفضائيات وسربت معلومات ووثائق وكل التداعيات التي تناولتها الأقلام والبرلمانيون والعقلاء في التعليق وغير العقلاء كذلك.

لقد مكثت مدة اكتب عن البدون بلا انقطاع منذ أمسكت القلم في هذه الجريدة العام 1995، ثم توقفت لأن قضيتهم أصبحت رأي عام، وها أنذا اعود اليوم لأنبه - لا بما هو جديد - فالكل يعيش ازمة القضية ولكنني أحس بأننا ان لم نعجل في الحل العادل لهذه الكارثة الإنسانية فلا أقول سوف تشوه سمعة البلد في المحافل الدولية وأمام أعين جمعيات الحقوق العالمية، وإنما سينبت الخطر داخلياً ويرتد علينا أمنياً واجتماعياً، لقد ولد لدينا جيل ثالث من البدون يا حكومة يعني بدون ابن بدون ابن بدون!!! وعندما يحرم هؤلاء من التعليم والطبابة وحق العمل وأحياناً اقتناء وسيلة تنقل وهو ذو عائلة عريضة فإننا نكرس الظلم ونسكت عنه... ولكن إلى متى سيسكت من أحس أنه مظلوم منكوب!! ان الذي اوحى لي بعنوان المقال هو الافتتاحية المتوازنة التي كتبها الزميل جاسم بودي في افتتاحية «الراي» بتاريخ 21/12/2007 تحت عنوان «البدون إنسان وليس رقماً في ملف»... لافتاً الانتباه إلى خطورة التعامل مع هذه الفئة بلغة الأرقام معتبراً ان القضية ليست تجنيس 700 أو أكثر أو أقل، القضية عدالة وانسانية او كما قال في افتتاحيته «القضية الاساسية ليست ملفات التجنيس واعدادها فمن يعش بين ظهرانينا فهو أخ كريم».

إن تناول الصحافة عندنا في ظل معركة ملفات البدون جرحت مشاعر وحطمت قلوباً، وقهرت رجالاً ودمرت نفسيات نساء وأهانت أناساً وشهرت بمن لا يستحق التشهير، وكل واحدة من هذه المصائب تكفي المسيئين إثماً، واذا كان الزميل بودي يقول «البدون إنسان...» فأقول يا أيها الناس اعتبروه كائناً حياً يشعر ويتألم ويحتاج إلى الأمن، ألم يقل عليه الصلاة والسلام «في كل كبد رطبة أجر» ألم تدخل امرأة النار في قطة حبستها وحرمتها من الطعام، ألم تدخل الاخرى وكانت بغي الجنة لكلب أحسنت اليه... سيقولون لي كف عنا عواطفك والمسائل لا تحل بالحب او التفاعل مع المآسي، فأقول إذا لم تكن لديكم مشاعر وفقدتم التعاطف مع المنكوبين ولا تبالون بأحاسيس أهل البلاد فأنتم كائنات غير حية... بل أنتم والحجارة سواء!


محمد العوضي

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي