محمد صالح السبتي / «يا فرعون ... من فرعنك؟»

تصغير
تكبير
إن تدني مستوى الخطاب السياسي في البلاد ودخوله في مهاترات صبيانية هو أمر حتمي لغياب دور السياسيين الحق في المجتمع بل هو أمر حتمي لغياب دور المثقفين في مجتمعنا، وهذا التدني لم يصب الخطاب والعمل السياسي فقط بل أصاب جميع مناحي الحياة، فالكل يشكي تدني مستوى الطرح الثقافي وهبوط القيمة الحقيقية للمسلسلات التلفزيونية مثلاً، وانحدار مستوى الكلمة في الأغنية ومثلها في الألحان والأداء، وهكذا قس على بقية مناحي الآداب كلها.

ووجود مثل هذه الأعمال متدنية القيمة أو هذا الطرح، حتى لو كان سياسياً، غير اللائق أدبياً ليس عيباً في المجتمعات، ولا هو بدعة منكرة، لكن غياب الصراع بين هذا الهابط والراقي هو العيب والمنكر.

إن غياب دور المثقفين في المجتمعات وانزواءهم عن معترك الحياة هو موطن الخلل، ومن الملاحظ في مجتمعاتنا أن هذا الدور بدأ يتلاشى بركون هذه الفئة إلى الدعة وبعدها عن الأخذ بزمام الأمور... إن صراعاً ثقافياً يجب أن يكون وأن يستمر بين الثقافة والجهل، وبين الغث والسمين، بين رقي الخطاب وانحطاطه، بين السمو في الطرح والهبوط فيه، بين الكلمة الراقية حتى في النقد وبين لغة الشوارع.

لماذا نعيب مسلسلات وكلمات أغانٍ وأداء ليس بالمستوى والمثقفون عاجزون عن مجاراة ما يجري، وعن إنتاج الجيد، وعن مجابهة ما ينتقدون وقد تركوا الساحة لغيرهم، لماذا نأخذ على بعض السياسيين انحدار مستوى خطابهم وقد ترك أهل الرقي في الخطاب المعترك لهم؟

إننا لا نواجه خطاباً متدنياً وأداءً مقززاً فقط، إننا نواجه سطحية فكر واهتماماً بالصغائر وترك المهمات من الأمور أيضاً، وكل هذا لتقاعس أهل الحنكة والرأي عن أداء الدور المنوط بهم في المجتمعات.

إننا حين نتكلم عن صراع نعني صراعاً فكرياً ثقافياً يجب أن يكون، وهذا الصراع له متطلبات وعليه تبعات وقد يبذل فيه الانسان جزءًا كبيراً من وقته وجهده وفكره، لكنه يجب أن يكون، يجب أن تعلو كلمة العقل على سفاهات الجهل، ويجب أن يستمر المثقفون في طرحهم بكل الوسائل حتى لو انقطع عنهم الناس ولم يسمعوا لهم في حينه، لكن لا بد لهم أن يرجعوا الى رشدهم ويجدوا من يلتفون حوله.

ونحن لا نتكلم في الأمور السياسية فقط بل حتى الثقافية منها والأدبية، يجب أن يستمر أصحاب الأعمال السامية منها في طرحهم حتى يكون هناك صراع حقيقي بين الراقي منها والهابط ليجد الناس ما يفرح صدورهم ويثلجها، ولكن الانزواء والبعد عن الساحة والسكوت فهذا يعني الغلبة للسيئ على الجيد لا محالة.

إن نظرة سريعة على فصول التاريخ تعطيك الصورة الحقيقية لما كان وما يجب أن يكون، إن كثيراً أو معظم مراحل تاريحنا وتاريخ غيرنا شهدت انتصاراً للغوغائية، وانتشاراً للخطابات الهابطة وسفاهات الأمور لكن في كل هذه المراحل كان للمثقفين دور في الحرب ضد هذه السقطات ووقف رجال يذكرهم التاريخ بكل ما أوتوا من قوة وايمان يحاربون هذا السقوط باقلامهم وإنتاجهم الراقي وكان النصر لهم حتى بعدما ذهبوا عن هذه الدنيا أحياناً.

وأخيراً نقول إن تطاول فرعون السفاهة سببه عدم الوقوف ضد الفرعنة وعدم محاربتها... إن الفرعنة داء ينخر في المجتمع إن لم يحارب ويستبدل الناس به العقلانية والاتزان والأدب الراقي الجميل.





محمد صالح السبتي

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي