محمد صالح السبتي / «الحشاشون» و«القرامطة» الجدد

تصغير
تكبير
«الحشاشون» و«القرامطة» فرق وجدت في التاريخ وكانت تنتسب عبثاً للدين الإسلامي، وعاثت في الأرض فساداً، ففرقة الحشاشين وجدت عام 1090 م قرابة بحر قزوين وكانت تدعي التمسك بتعاليم الإسلام، وهي فرقة اغتيالات وتصفيات وأعمال إرهابية وفق المسميات الحديثة، وسميت هذه الفرقة بالحشاشين لأن أفرادها كانوا يتعاطون الحشيش على الدوام، وقامت هذه الفرقة بأعمال تصفيات كثيرة لحساب من يدفع أكثر أو من يسيطر عليها سياسياً، وقد قام قائد هذه الحركة حسن الصباح بأشهر عمليات الاغتيالات والتصفيات في هذا التاريخ وأنظمها وأشهرها إتقاناً، وكما ذكرنا سلفاً أن هذه الفرقة كانت تدعي الانتساب للاسلام والتدين.

وأما القرامطة فهي فرقة أخرى نشأت قرابة (891 م 278 هـ) وكان لها دور افسادي أكبر من سابقتها، وقد سيطرت على كثير من المدن والقرى، وكان مقرها ما يعرف الآن بالخليج العربي القطيف تحديداً وقد قامت هذه الفرقة بسرقة الحجر الأسود من مكة المكرمة ونقله إلى القطيف، كما قاموا بقطع طريق الحج لأعوام عدة، وحاربوا الدولة العباسية، ونهبوا وسرقوا وقتلوا، وكل هذا وهم يدعون نسبهم للإسلام والتدين.

يقول ابن خلدون في تاريخه (ثم سار أبو طاهر القرمطي إلى الحج... فلما كان يوم التروية نهب القرمطي أموال الحجاج وفتك فيهم بالقتل واقتلع الحجر الأسود وحمله إلى هجر (القطيف حالياً) وقسّم القرمطي كسوة البيت على أصحابه، ونهب بيوت أهل مكه...).

ويقول ابن كثير في تاريخه (في سنة 293 هـ عاث الحسين القرمطي المعروف بابن شامة فساداً بأهل الفرات، وقصد طبرية وقتل فيها خلقاً كثيراً، ثم فرّ إلى البادية ودخلت فرقة منهم إلى «هيت» فقتلوا أهلها إلا القليل، وأخذوا أموالاً جزيلة...).

وشناعات القرامطة والحشاشين كثيرة في التاريخ وإنما ذكرنا هذه الأمثلة للتدليل عليها ليس إلا، وأعمالهم تلك ليست غريبة إذ ان المجرمين والسفاحين على مر التاريخ لهم أعمال أبشع من ذلك بكثير، لكن الغريب أن تلك الأعمال جاءت ممن يدعي التدين والتمسك بتعاليم الإسلام، بل يدعي أن تلك الأعمال الوحشية جاءت بسبب ومن أجل هذا التدين والتمسك، وهم يعتقدون أنهم مأجورين على مثل هذه الأعمال، وأنها من قبيل الجهاد والعمل المفروض ولو على سبيل الكفاية.

ونحن لا نذكر قصة فرقة الحشاشين والقرامطة للسرد التاريخي، إنما نذكرها لبيان ماضي وتاريخ تلك الفرق والجماعات الحالية التي ترعى الإرهاب وتمارس القتل أو حتى القتال في بعض البلاد مدعية أنه جهاد وأنه عمل مشروع. فهؤلاء لهم جذورهم التاريخية ولهم قدوات سبقوهم في مثل هذه الأعمال والمعتقدات. فالجامع بين مثل هذه الفرق قديمها وحديثها هو انتسابهم للإسلام والتدين، وقيامهم باعمال قد تخرجهم من دائرة الاسلام بالكلية، ووحشيتهم وعدم منطقية تفكيرهم وعدم اتزانهم.

إن الحركات الإسلامية في العالم اليوم مسؤولة للدفاع عن نفسها باعتبار أنها تمثل الالتزام الديني وليس الاسلام عموماً، أو تمثل الفكر الداعي للالتزام بتعاليم الدين بشكل كامل، ونعني بالدفاع عن نفسها بيان حقيقة نظرة الإسلام في مثل هذه الأعمال والأفكار ومحاربتها وبيان عوارها، وليس ذلك بهدف نصرة الحق فقط، لكن بهدف عدم الخلط بين أفكارها البناءة وأفكار غيرها الهدامة، وحتى لا تكون هذه الفرق الضالة هي واجهة العمل الإسلامي، وحتى لا يستقر في عقول وتفكير البشرية أن هذا هو الإسلام فإن هذا هو المثال الحي والمطلوب للحركات الإسلامية، ان الحركات الإسلامية هي الوحيدة القادرة على بيان الفرق للناس، وأن مجرد انتساب شخص، أو فرقة، أو مجموعة للفكر الإسلامي لا يعني بالضرورة أنهم يمثلونه، بل قد يكونون أبعد ما يكونون عنه.

إن قرامطة العصر الحديث وحشاشيه أصبحوا هم متصدري العمل الإسلامي في كثير في الفضائيات والصحف ويعتقد، من لا معرفة له، أن هؤلاء هم من يمثل الفكر الإسلامي لأنه يراهم كل يوم في لقاء أو مقابلة أو تقرير صحافي.

القرامطة والحشاشون فرق زالت واندثرت لكنها ظلت باقية كأفكار ومناهج وأفراد وجماعات وأعمال كان لها تأثير في العالم أيّما تأثير. «وللحديث بقية».





محمد صالح السبتي

كاتب كويتي

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي