أعود وأذكركم، بأني المواطن محمد بن خان، حاصل على شهادة في الطب العام من بريطانيا، استشاري لغة عربية! كيف طبيب واستشاري لغة عربية وأمسح البلاط في البلاط؟ انها قصة أخرى طويلة سأرويها لاحقاً، وسأحدثكم أيضا عن قصص القصر وحالة البلاد، وفقا لما شاهدت وسمعت، ووفقا لما رواه أصدقائي العاملون والفراشون والسفرجية والسواقون في قصور حكام البلاد ورجالاتها... فنحن- الكادحين- نملك وكالتنا الخاصة بالاستخبارات... نعرف ما يُقال، وما لا يقال في غرف أعيان البلاد، نسمع أحاديثهم، وننصت لاتصالاتهم، ونتابع نزاعاتهم السياسية، وسرقاتهم المليونية، وخياناتهم الزوجية... نرتب مكاتبهم وأوراقهم وأسرتهم، ونلم في نهاية اليوم زبالتهم... وفي زبالتهم كل اخبارهم وأسرارهم...!
جينات جدي الأكبر، كما قال جدي الأصغر عن جده عن جد جده...مرتبطة بجنكيز خان، الذي غزا الشرق، ونحن أحفاده الذين طاب لهم المقام في هذه البقعة المباركة... بصراحة لم أقتنع بهذه الرواية الخيالية، ولم أقتنع برسمة شجرة العائلة المتصدرة باب بيتنا، فلا وجهي ولا عيوني، ولا قدراتي الجسدية تشير إلى أني ابن فاتح المغول، ولكننا في حميرستان، والمهم في هذه البلاد «كان أبي» وليس «هاأنذا»!
جارنا عبدالجبار مثلا، يقسم أنه الحفيد الوحيد المتبقي من سلالة آل بطرسبورغ آخر ملوك روسيا، وان والده هرب في قارب خشبي من البحر الأسود ليصل إلى سواحلنا الكحلية!
وزميلي وصديقي في العمل العم خليل «بوأحمد»، ولأنه دكتور استشاري في الجهاز الهضمي، فقد عُين في مطبخ الزعيم «كسفرجي» مسؤول عن الجهاز الهضمي للرئاسة! صرح قبل يومين وهو ينظف السفرة، ان نسبه يصل إلى بطليموس القائد اليوناني، وزعم أنه سيسافر إلى روما، كونه الأمين العام للمؤتمر العالمي للبطالمة...!
أما أمي، فهي كانت دائمة التفاخر على أبي المغولي بأنها من سلالة الفراعنة، والدليل ان هناك شبها واضحا بين نفرتيتي وجدتها...!
لوثة عقلية، ووباء عام اصاب الامة بمرض «النسب نويا»، وترسخت فيها داء «البارونويا»- جنون العظمة-، وان كنت أراه مفيدا في جانب آخر، فحاضر بلون الفحم ومستقبل يكتبه الغربان، لا شك سيشجع الأمة على الهروب إلى ماض بلون الثلج، انه ملعبنا الوحيد الذي نتبارى فيه ضد أنفسنا حتى نربح!
اما زعيمنا - كما تذكر كتب المدارس - من رياض الاطفال إلى كليات الطب- فهو المتبقي من نسل العرب البائدة المنقرضة، والحافظ على تراثها، وباني مجدها المقبل، دونا عن بقية العرب المقلدة، من انتاج مصانع الصين! مع انه يذكر دائما في نشرات الأخبار وما بعد الأخبار وقبلها أيضا، وفي خطب الجمعة والسبت والأحد... انه من أحفاد الرسول الأكرم، وانه الحامل لسيفه واللابس عمامته، سليل آل بني هاشم! وأيضا، نشرت الصحف الرسمية تحت مانشيت رئيسي «لا للديموقراطية نعم للكروموزومية» دراسة علمية، أثبت خلالها، مجمع علماء التاريخ والانثربولجيا، في المعهد القومي لشؤون البحث العلمي وتوابعه، ان سلالة الزعيم تعود في فرع منها إلى شجرة «حمورابي»، وهذا يعني ان الزعامة، وقيادة البلاد، لا تتم وفقا للانتخاب على الطريقة الغربية التي لا تتوافق وعاداتنا وقيمنا، بل وفقا للجينات الوراثية!
***
زعيمنا حفظه الله ورعاه، متزوج ويملك من الأولاد أربعة ومن البنات واحدة، (والحمد لله أنه لم ينجب أكثر من ذلك رحمة بالعباد) ويملك من الزوجات واحدة فقط، ومن الجواري 365 جارية وصديقة وسكرتيرة... مسترشدا بسيرة هارون الرشيد! وعلى ذكر الرشيد وعلاقته التاريخية به فقد سمى أبناءه بالرشيد والمنصور والمأمون والمعتصم وابنته حبابة، وزوجته تسمى زبيدة - لا نعرف اسمها الأصلي - وهذا أمر ليس بمستغرب، فزعيمنا عجاج السابع والعشرون حفظه الله، اكتشفنا فجأة في يوم تنصيبه ان اسمه محمد علي عجاج.
وهو حفيد قائد الثورة المباركة! حيث يتداول الركبان والرعيان قصة الثورة على الملكية، التي قامت في عهد جد زعيمنا الحالي، وكان يعرف بلقب «الخاقان الأعظم زعيم الأمة الأوحد»، حيث قام بانقلاب عسكري هو وستة من أقربائه في الجيش، يساعدهم رجلان من شرق آسيا! على الملك الذي كان نائما في يخته بمساء صيفي، واستمرت الثورة ساعتين وربع الساعة، وأعلن سقوط الملكية، وسميت بأم الثورات... ومات أقرباؤه الستة بعد الثورة بعشرة أيام، بسبب سقوط طائرتهم، ونجا الزعيم الأوحد، لأنه أجل سفرته معهم في آخر لحظة، ويحتفل سنويا بهذه المناسبة باسم، يوم المعجزة، لأن الله نجاه من الهلاك!
مات الجد وكان يفترض أن يتسلم الابن- وهو أب زعيمنا الحالي- الحكم في انتقال شعبي جماهيري دستوري سلس، إلا ان نواب البرلمان المعينين بالانتخاب الحر من الزعيم وأعضاء القيادة القومية العليا، تفاجأوا بالحفيد يدخل قاعة البرلمان، وهو يذرف الدموع، وخلفه مئة من حرسه الخاص بأسلحتهم، وأعلن ان والده وبفعل مؤامرة من أعداء الأمة «زلق» في الحمام بعد ان داس على صابونة استعمارية، ومات فورا! - وقيل انه قبل موته، فورا وضع رأسه على حجر ولده، وقال له «يا ولدي الأمة برقبتك» وخطب بمناسبة موته لساعتين ونصف الساعة تحدث فيها عن وضع أسس بناء الدولة ورؤيته لمقومات تطور الدولة الحديثة... ثم ابتسم ومات!
المهم ان السلطة انتقلت بسلاسة للحفيد، وعطلت الدوائر الرسمية، وحجزت القوات المسلحة، وأغلقت المدارس والجامعات لاسبوعين، مع حظر التجول، احتفالا بعيد الوقوف، لأنه أعلن أنه لم يتسلم سلطته ليجلس على العرش، بل ليقف خادما للأمة!
وسكت عن الكلام المباح بعد أن أضاع المفتاح!
***
بدر الرفاعي، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون، يسعى إلى التجديد لمنصبه، بعد ثماني سنوات قضاها في الحل والترحال، وأرجو ألا يفقد منصبه! ولكن لو تم، وانتقل الأمر لغيره، وهذه سُنة الحياة، أتمنى من الحكومة الاستفادة من خبراته، وتعيينه عضوا بإحدى الجمعيات التعاونية المنحلة!
***
الدراما الكويتية، عبارة عن ست ممثلات يمثلن في كل المسلسلات!
جعفر رجب
[email protected]