لن أكتب عن ذكرى الغزو الأليم (فالضرب في الميت حرم) فبعد عشرين عاماً لم نستفد من الدرس وليس هناك أمل بأن نستفيد، لذا سأواصل حديثي الذي انقطع عن رحلتي الميمونة إلى لبنان، والقصة وما فيها أنني كنت متوجهاً إلى مدينة طرابلس، مستقلاً سيارتي ومطلقاً يدي اليمنى لتبحث لي في الراديو عن موسيقى هادئة مغتنماً فتوى الشيخ عادل الكلباني في جواز سماعها، وهنا انفجر الهاتف النقال بالضحك، وهي نغمة هاتفي منذ أن برمجه أحد الأولاد وتركني أضحوكة للمتصلين، دست على الهاتف بحنق وكانت المتحدثة على الطرف الآخر رفيقة دربي فقلت في نفسي: سبحان مؤلف القلوب فهي لا تطيق الفراق، ولكنها وبدلاً من أن تقول عبارتها الشهيرة (السلام عليكم... وينك؟) قالت: لا إله إلا الله... احترق الجبل! قلت في نفسي هو الشوق وكم أحرق العاشقين، ولكني تأكدت من صحة كلامها بعد أن سمعت صراخ الأطفال واضحاً في الهاتف، حمدت الله في سري لنجاتي بأعجوبة، وهداني تفكيري إلى ضرب كل العصافير بحجر وأمحو فكرة السفر مرة ثانية من عقولهم، فقلت برقة غير مسبوقة اقفزوا يا حبيبتي. قالت: الأرض بعيدة، فقلت: الحافظ الله يا كويت. رحت أسوق الأمثلة والآيات في الصبر والثبات وقلت لها: لا راد لقضاء الله. رفضت الفكرة بعنف غريب! ولكني واصلت حديثي بأن الموت حق و«قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم»، وأكدت لها أن كل نفس ذائقة الموت وذكرتها بأنه «وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي ارض تموت» ولكن لا فائدة، وانقطع الاتصال بيننا وعلمت لاحقاً أنهم نزلوا إلى بيروت ولم يعملوا بنصيحتي! وقد روى لي أحد مصادري الرفيعة في الأسرة ما حدث، ويقول المصدر: سبحان مقلب الأحوال فبين طرفة عين وانتباهتها يبدل الله من حال إلى حال، وقد تبدل الحال بالفعل، فصباح هذا اليوم كان مختلفاً تماماً عن الصباحات الجميلة السابقة فقد صحوت على تهليل وتكبير الأهل ولم يكن ذلك بالأمر الجديد فأنت تعلم أننا في تهليل وتكبير وكأننا في الحج منذ لحظة وصولنا إلى لبنان، فرموز العائلة الكريمة ما زالوا في صدمة من المناظر الخلابة والغيوم التي لم يتعودوا على لمسها أو رؤيتها بهذا القرب ولكن تهليل هذا الصباح كان عالياً جدا، وفي البداية لم أعر الأمر اهتماماً فذلك متوقع منهم فهم لم يشاهدوا من حدائق الأرض سوى حديقة روضة حمزة، وحديقة الحيوان في الكويت، ومع هدير التكبير المتصاعد هزت مسامعي بعض العبارات الدخيلة مثل (رحنا فيها، احترقنا، واء واء). وقد توقفت عند الصوت الأخير فالأمر لم يعد في حاجة إلى تفسير، قفزت من السرير كالرجل الوطواط عندما علق اللحاف بظهري، وهرولت مسرعاً إلى مصدر الصوت وكان خارجاً من (البلكونة)، وصلتها فزاد التكبير وصاحبه هذه المرة عويل يصم الأذان وصرخت أختي الصغيرة (عيب... عيب) وكان معها كل حق فلم تتعود رؤيتي بلباس الغابة، لم التفت إليها فالأمر جلل والجبل من تحتنا يحترق، فقد احترقت بعض الحشائش وتحولت إلى حريق كبير سيصلنا لا محالة إذا لم يتم إخماده بسرعة، وتحولت البلكونة التي أسميناها جنة الأحباب إلى (شيش كباب).
صاح الجميع افعل شيئاً، ولكن هول الموقف أخرسني، حاولوا استنطاقي فقلت بصعوبة معللاً صمتي بأن الموقف يحتاج إلى هدوء، ثم جمعت ما بقي من شجاعتي ورحت أطمئنهم بأن الأمر سيكون تحت السيطرة في غضون دقائق، فاللبنانيون أطفئوا الحرب اللبنانية في خمسة عشر عام فقط، فما بالكم في حريق بسيط في اسوأ حالاته لن يلتهم سوى شققنا فقط! طال الانتظار ونحن على نار وأخيراً حامت على رؤوسنا طائرة فقلت: ها... ألم أقل لكم... إن حريق الغابات شيء عادي جداً خصوصاً في لبنان، ورحت استخرج مخزوني التاريخي عن المنطقة مؤكداً أن الحرائق هنا طقس من طقوس الفينيقيين ما زال يمارسه اللبنانيون حتى اليوم، واللبنانيون هم أصحاب سياسة الأرض المحروقة في الحرب، وسياسة عليّ وعلى أعدائي، وسياسة ادفع ما في الجيب يأتك ما في الغيب، وفي السابق أحرقوا لبنان مرات عدة وفي كل مرة يعيدون زراعته بأشجار جديدة وعلى مزاجهم.
ويقول مصدري الموثوق به إلى حد ما: حامت الطائرة من جديد للاطمئنان على استمرار الحريق فلم أجد شيئاً حولي فلوحت لها بأحد الأطفال لأثبت لهم أن المنزل مسكون، وبالفعل وصلت أخيراً عربة إطفاء واحدة ووقفت ببابنا وترجل منها إطفائيان فقط وفي الطرف الآخر من الوادي كانت عربة ثانية وبدأوا مكافحة الحريق في عملية شبه مستحيلة نظراً لصعوبة تضاريس المنطقة واقتربت النيران وكانت أوقات صعبة، تحتاج إلى رجل مرحلة، وقرار شجاع، وفعلاً قررت أمي الهرب وأخذت أنا الجوازات وقلت للآخرين من يريد النجاة فليدفع أجرة التاكسي، في هذه الأثناء تم إطفاء الحريق ولكن الدخان ما زال يتصاعد من مكانه، تركنا الجبل وهو يدخن (الحشيش) اليابس. وها نحن أمامك فما رأيك، قلت ودون تردد ما دام لبنان يدخن فلا بد أن يعود للاشتعال والرأي أن نعود للكويت فنكون قد وفرنا شيئاً من تكاليف الرحلة (لشراء رمضان خصوصاً أن اللحم على الأبواب) وبالفعل عدنا واشتعل لبنان من جديد.
فهيد البصيري
كاتب كويتي
[email protected]