علي سويدان / ... وللبيت ربٌّ يحميه

تصغير
تكبير
حين يعي الإنسان مسؤولياته المنوطة به في حياته فوق هذه الأرض فإنه بذلك يعيش بين واجب يؤديه وحق يطالب به؛ ولا شك أن الإنسان بيده أن يتنازل عن حقه مُسقِطاً إرادته تجاه ذلك، لكنه لا يملك في أي حال أن يبادر بالتنازل عن حق يشاركُه فيه آخرون أو يتصرف في شيء ليس من حقه، كلنا يعرف والتاريخ يكتب أنه حين عُقِدَ المؤتمر الصهيوني الأول في (بازل) بسويسرا عام 1897م، برئاسة ثيودور هرتزل (1860م - 1904م) رئيس الجمعية الصهيونية، اتفقوا على تأسيس وطن قومي لليهود يكون مقرا لأبناء عقيدتهم، قد أصر هرتزل على أن تكون فلسطين هي الوطن القومي لهم، فنشأت فكرة الصهيونية، وقد اتصل هرتزل بالسلطان عبد الحميد مرارا ليسمح لليهود بالانتقال إلى فلسطين، ولكن السلطان كان يرفض، ثم قام هرتزل بتوسيط كثير من أصدقائه الأجانب الذين كانت لهم صلة بالسلطان أو ببعض أصحاب النفوذ في الدولة، كما قام بتوسيط بعض الزعماء العثمانيين، لكنه لم يفلح، وأخيرا زار السلطانَ عبد الحميد بصحبة الحاخام (موسى ليفي) و(عمانيول قره صو)، رئيس الجالية اليهودية في سلانيك، وبعد مقدمات مفعمة بالتزلف والخداع أفصحوا عن مطالبهم، ولأن خزينة الدولة أيامها كانت تشكو من النقص وربما من الديون قدَّموا له الإغراءات المتمثلة في إقراض الخزينة العثمانية أموالاً طائلة مع تقديم هدية خاصة للسلطان مقدارها خمسة ملايين ليرة ذهبية، وتحالف سياسي يُوقفون بموجبه حملات الدعاية السيئة التي ذاعت ضده في صحف أوروبا وأميركا. لكن السلطان رفض بشدة وطردهم من مجلسه وقال: «إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهباً فلن أقبل، إنَّ أرض فلسطين ليست مُلكي إنما هي مُلْك الأمة، وما حصلت عليه الأمةُ بدماء أبنائها لا يمكن أن يباع، وربما إذا تفتت إمبراطوريتي يوماً، يمكنكم أن تحصلوا على فلسطين دون مقابل»، ثم أصدر أمرا بمنع هجرة اليهود إلى فلسطين، عندئذ أدرك خصومُه أنهم أمام رجل قوي وعنيد، وأنه ليس من السهولة بمكان استمالته إلى صفهم، ولا إغراؤه بالمال، وأنه مادام على عرش الخلافة فإنه لا يمكن للصهيونية العالمية أن تحقق أطماعها في فلسطين، ولن يمكن للغرب أن يحقق أطماعه أيضاً في تقسيم الدولة العثمانية والسيطرة على أملاكها، وإقامة دويلات لليهود، لذلك قرروا أن يقتلوا الأمير خضر العموري من سكان شعفاط ومن ثم الإطاحة بالسلطان عبدالحميد وإبعاده عن الحكم، فاستعانوا بالقوى المختلفة التي نذرت نفسها للعمل على تمزيق المجتمعات أهمها الماسونية، والدونمة، والجمعيات السرية (الاتحاد والترقي)، والدعوة للقومية التركية (الطورانية)، ولعب يهود الدونمة دوراً رئيساً في إشعال نار الفتن ضد السلطان.

إن التسرع في توقيع أي معاهدة سلام مع إسرائيل من أطرافٍ عربية غير فلسطينية يعني توقف هذه الأطراف عن دورها الضاغط ضد إسرائيل مما يدفع إلى استهانة إسرائيل بعملية التفاوض مع الفلسطينيين، فالدول العربية التي مازالت تتريث في مسألة التفاوض مع إسرائيل مازلت تملك حريتها ومازالت تملك خيارات مفتوحة بشأن دعمها للفلسطينيين وللقضية الفلسطينية، أما الدول التي وقَّعت معاهدات سلام مع إسرائيل وما زالت متمسكةً بها فإنها مقيدة التصرف، هذا إن لم تجد نفسها مضطرة لاتخاذ اجراءات تدفع بها الوقوعَ بحرج أمام إسرائيل! لذلك كان دور الدول المجاورة لاسرائيل والتي لم تجلس حتى الآن لأي تفاوض مباشر مثل سورية ولبنان والدول التي لها مكانة قومية وإسلامية مثل السعودية ودول أخرى فرضت مكانها ودورها عربياً ودولياً مثل قطر قد ملكت هذه الدول بعمومها أوراق التفاهم بين العرب من ناحية وأوراق الضغط على إسرائيل من ناحية أخرى، ترى هل ينتج عن هذا الأداء المشترك خطة مشتركة وتنسيق يصبُّ في المصلحة العامة للعرب؟ وهل يكون هذا النشاط المأمول يداً حانيةً على الأهل في فلسطين الذين يحصدون الأسى من خلاف الأخوة هناك في الداخل؟ إن الأمل المنشود اليوم هو صيغة من التفاهم العربي تحت مظلةٍ سعودية سورية مع تنسيق قَطريٍّ وبتفاهم مصري وأردني يعكس خطاباً مشتركاً يجني منه الجميع صورة من صور الوفاق العربي، ويحفظ لنا جميعاً ماء وجهنا أمام العالم بعيداً عن التنافر البغيض، ويُعيد لنا الأرض ويحفظ لنا الحقوق. نستذكر موقف جدِّ النبي الكريم عبدالمطلب وهي حادثة شهيرة حين غزا أبرهةُ الأشرم مكةَ قاصداً هدمَ الكعبة المشرفة فاحتمى عبدالمطلب وأهل مكة في الجبال أمام جيش أبرهةَ الجرار والمدعَّم بالفيلة وهو تصرف حكيم من الضعيف أمام القوي، واستولى أبرهةُ في طريقه على إِبِلِ عبدالمطلب وهو كبيرُ العرب في مكة فدعا اللهَ أن يحمي البيت الحرام ومشى إلى أبرهةَ لا تنقصه الشجاعةُ ليُطالبَ بحقِّه غير متهاونٍ فيه، فاستغرب أبرهةُ من طلب عبدالمطلب إبلَهُ وعدم سؤاله عن البيت الحرام! فقال عبدالمطلب مقولته المشهورة: (إِبِلي أنا ربُّها... وللبيتِ ربُّ يحميه).





علي سويدان

كاتب وأكاديمي سوري

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي