هناك كل عام عودة إلى أصيلة وإلى موسمها الثقافي الذي حوّل المدينة الصغيرة إحدى نقاط الإشعاع النادرة في المنطقة العربية عموماً وفي شمال أفريقيا على وجه الخصوص. ولكن يبقى في الواجهة ذلك السؤال الذي يتردد منذ اثنين وثلاثين عاماً: ما سر نجاح موسم أصيلة الثقافي؟ لا حاجة إلى البحث طويلاً. الجواب بكل بساطة، أن الموسم يتجدد، أو على الأصحّ يجدد نفسه باستمرار وبكل جرأة بعيداً عن أي نوع من العقد. وفي مناسبة انعقاد الموسم للمرة الثانية والثلاثين هذا العام، بدت أصيلة المغربية أكثر حيوية وأكثر قدرة على تطوير نفسها من أي وقت. صارت أصيلة التي تمزج بين الفن والسياسة والثقافة والموسيقى وكل ما هو حضاري في هذا العالم رمزاً للقدرة على طرح محاور جديدة للنقاش تساهم في تصالح العرب مع المستقبل، بل تساعدهم في الانتقال إلى المستقبل والتواصل معه بدل أن يستمروا في الدوران على النفس، على أنفسهم أوّلاً... وكأنه مكتوب عليهم الخضوع للتخلف والضياع.
أكثر من ذلك، باتت أصيلة التي تتحول في مثل هذه الأيام من كل عام إلى محطة مغربية بامتياز قادرة على اعطاء صورة واقعية إلى حدّ كبير عن المجتمع المغربي كمجتمع شاب يمتلك ثروات كبيرة على رأسها ثروة اسمها الإنسان. صار من يقول في شهر يوليو من كل عام أمام رفاق له انه مسافر إلى المغرب يسمع سؤالاً تقليدياً: هل أنت ذاهب إلى أصيلة؟
ربما كان سر نجاح أصيلة يكمن في المدينة نفسها الواقعة على المحيط الأطلسي ليس بعيداً من طنجة. لا يتجاوز عدد سكان أصيلة بشواطئها الرائعة خمسة وثلاثين ألف نسمة. انها مدينة جميلة مضيافة ذات معالم خاصة بها، بينها أحياء قديمة وقلعة تاريخية وأسوار. لكنها قبل كل شيء حالة ثقافية فريدة من نوعها. جدران أصيلة القديمة تتحول في الصيف إلى لوحات، وساحاتها إلى مسارح تشهد حفلات غنائية وموسيقية لفنانين من كل أنحاء العالم...
ولكن ما قد يكون سر أسرار أصيلة اختيار مواضيع النقاشات في أثناء الموسم الثقافي فضلاً عن نوع الشخصيات التي تشارك في النقاشات بعيداً عن أي نوع من أنواع التزمت والانغلاق. ولعلّ السيد محمد بن عيسى الأمين العام لـ «مؤسسة منتدى أصيلة» كشف بنفسه السرّ عندما قال في ندوة «الديبلوماسية والثقافة» قبل أيام: «اني أرى من المناسب الإشارة إلى أن هذه الندوة مثل سابقاتها، تندرج ضمن المسار نفسه الذي اتخذته مواسم أصيلة الثقافية منذ الدورات الأولى، حين بادرت، بل أقول بما يلزم من التواضع، أنها تجرّأت على اقتحام بحر العلاقات الدولية المضطرب».
كانت ندوة «الديبلوماسية والثقافة» في موسم أصيلة لهذا العام شيقة. ترأس إحدى الجلسات رئيس الوزراء الفرنسي السابق دومينيك دو فيلبان، رجل العلم والثقافة والسياسة. كشف دو فيلبان مرة أخرى أنه سياسي ومفكر في آن. شرح الوضع العالمي بشكل دقيق. ركز على الثقافة بصفة كونها تمثل «الأمل» نظراً إلى أنها «تخلق الأمل». ومما قال: «اني مقتنع بضرورة الاعتراف بخصوصية كل ثقافة من ثقافات هذا العالم في ظل الحاجة إلى العولمة». تحدّث دوفيلبان عن روسيا التي بدت في حاجة إلى الاعتزاز بثقافتها وتاريخها وعن «عودة الصين إلى الصين، إلى ثقافتها وحضارتها». وتحدث خصوصاً عن «الحاجة إلى نوع جديد من العولمة» وعن التطورات التي يمر بها العالم منذ انتهاء الحرب الباردة واصفاً وصول باراك أوباما إلى البيت الأبيض بأنه «تجربة متميزة» في ما يخص «التمازج بين الثقافات» مستعيداً كل ما يمثله أوباما، الآتي إلى البيت الأبيض من أصول أفريقية...
لم ينس دوفيلبان أن الحياة في هذا العالم ليست كلها وردية. أشار إلى ما أسماه «التصدعات» التي تلت سقوط جدار برلين في العام 1989 مركزاً على ثلاث محطات هي أحداث سبتمبر 2001، والحرب الأميركية على العراق في العام 2003، والأزمة المالية العالمية في العام 2008. هنا، جدد دعوته إلى نوع جديد من العولمة لمواجهة «تصدعات» ما بعد انتهاء الحرب الباردة. كان تركيزه دائماً على البعد الثقافي والحاجة الدائمة إلى الاستعانة بهذا البعد كي تتعايش الثقافات الخاصة بكل مجموعة من دون تجاهل «الحاجة إلى ما هو عالمي».
آخرون، غير دوفيلبان، تحدثوا في موضوع «الديبلوماسية والثقافة». كانت الندوة مناسبة كي يستعيد وزير الخارجية السنغالي السابق الشيخ تديان غاديو ذكرى ليوبولد سنغور، رجل العلم والثقافة وأول رئيس للسنغال بعد استقلالها. كان سنغور رمزاً للنجاح القائم على اعطاء بعد ثقافي للسياسة وبعد سياسي للثقافة.
شرعت أصيلة الأبواب أمام نوع جديد من النقاشات. كعادته، كان الموسم هذا العام غنياً. تبين مرة أخرى أن موسم أصيلة حاجة مغربية مثلما أنه حاجة عربية وإقليمية إضافة إلى أنه يشكل جسر تواصل مع العالم. ولعلّ هذا الشعور بأهمية الموسم هو ما دفع دولة الإمارات العربية المتحدة إلى أن تكون «ضيف شرف» دورة 2010. كانت الدورة فرصة للاضطلاع على النشاط الثقافي للإمارات خصوصاً في مجال انتاج الكتب والترجمة في الاتجاهين، أي من العربية وإليها، وكل ما له علاقة بالثقافة والرسم والموسيقى ومختلف أنواع الفنون. كانت هناك لوحات قوية لفنانين إماراتيين لا يعرف عنهم العرب الآخرون الكثير للأسف الشديد. حوّلت الإمارات العمل الثقافي إلى «عملتها الديبلوماسية الصعبة» على حد تعبير محمد بن عيسى الذي بات يعرف أن بناء أصيلة لا يمكن أن يقتصر على توسيع البنية التحتية للمدينة ومحيطها بمقدار ما أن المطلوب الاستثمار في الإنسان أيضاً.
يخرج المرء من موسم أصيلة 2010 وهو مقتنع أكثر من أي وقت بأن الثقافة هي التي تحسن الأداء السياسي، وأن الثقافة هي التي تعطي السياسة بعداً إنسانياً تحتاج إليه العولمة في كل يوم وفي كل لحظة. ثمة حاجة أكثر من أي وقت إلى توازن بين السياسي والثقافي للحؤول دون مزيد من الظلم والظلمة على هذه الكرة الأرضية.
كان لابدّ من العودة إلى أصيلة لاكتشاف قدرة الثقافة على حماية السياسة، بل على جعلها أكثر إنسانية. ربما كان ذلك دور أصيلة في مجال الانفتاح والتفتح وجعل الإنسان العربي أكثر قدرة على فهم ما يدور حوله بدل الانغلاق على نفسه والدخول طوعاً إلى سجن التزمت والتطرف!
خيرالله خيرالله
كاتب لبناني مقيم في لندن