علي سويدان / جراهام بل... والسادات!

تصغير
تكبير
لو توصَّل اليوم شخصٌ ما لطريقة صناعة الهاتف الأرضي وخرج من بيته سعيداً يزفُّ بُشرى انتصارٍ فريد من نوعه إلى العالم ويخبر البشر بأنه اخترع هاتفاً يمكن أن يتحدث به الناسُ بوساطة جهازين منفصلين يربط بينهما سلك خاص لَضَحِكَ من كلامه أوَّلُ شخص يقابله وسيقول له: ألستَ من سكان الأرض؟ لقد سبقك إلى ذلك ألكسندر جراهام بل منذ أكثر من مئة عام!

يا صاحبي... لعل أبسط مبادئ التسلسل في التفكير أن يُلْغي الأمرُ الأخيرُ ما سبَقه، فمن الْمُلِحِّ اليوم أن نُجري تعديلاً فورياً على نمط تفكيرنا؛ ربما نلتمس بعض العذر للذين ما زالوا مصرّين على رفض التجديد في أنماط تفكيرهم؛ فمن شبَّ على شيء شاب عليه، لكن الإنسان المبدع المتطلِّع للارتقاء نحو الأفضل يُطلق العنان لفكره من أجل حياة حرة يسبح فيها العقلُ وتنطلق منها الإرادة، ولن يكون ذلك إلى بخروجنا من قوقعة الولاء للأحزاب والجماعات وإخلاص الولاء للوطن ولعموم الأمة مستحضرين النضج في التفكير والاعتدال في الفكر، فليس صحيحاً حين صفَّق العرب متحمسين للحرب في عهد الرئيس جمال عبد الناصر مع هتافات إذاعة صوت العرب، وليس مفيداً حين خرجوا متسرعين في مسيرات الاحتجاج ضد الرئيس السادات! فكما أن هزيمة العرب أمام إسرائيل عام 1967 واضحة لا غبار عليها، فلا شك أن انتصار العرب على إسرائيل عام 1973 لا غبار عليه، وكما أن تصالح السادات مع تل أبيب واضح كالنهار، أيضاً حين أدار العربُ وُجوهَهم عن السادات بعد تحريره لسيناء كان الأمرُ أوضح من النهار، إنه من المجحف أن نحاول تغطية الشمس بغربال كي يرى الناسُ شمعةً نحملها ونركض بها هنا وهناك! لا شك أنَّ السادات وقَّع معاهدةَ سلام مع إسرائيل لكنه قدَّم لمصر وللعرب جميعاً نصراً حقيقياً غير مستوردٍ وغير منحاز لغير العرب، ولم يجبر أحدٌ مصرَ أن تُبقي على معاهدة «كامب ديفيد» مع إسرائيل حتى اليوم! وكان في إمكان مصر أن تُلغيَ تلك المعاهدة فور مقتل السادات، أمْ أنَّ مقتل السادات كان فرصة لا تُعوَّض لبقاء المعاهدة وحتى لا يمزقها الساداتُ بعد حين بيديه! لا نريد أن نضرب بالمندل وندخل عالم التنجيم، ولكن لا نريد أنْ ننسى أنَّ السادات وقَّع معاهدةً باسم مصر ولم يُصالح إسرائيل باسم العرب. أما إنْ كنا ننظر للسادات بأنه خليفة للعرب والمسلمين أو مرشد أعلى لهم فلماذا لم نكن معه في خندق واحد بعدما انتزع النصر لنا واستردَّ الأرض بالقوة كما سُلِبَتْ في عهد سالِفه بالقوة، أما ادعاء أن معاهدة «كامب ديفيد» كانت سبباً لتداعياتٍ كثيرة في المنطقة مثل الحرب العراقية - الإيرانية، وتدخل الغرب في المنطقة على يد السادات، وكأنَّ السادات هو أول من كان له علاقة مع الغرب. على الأقل كان السادات واضحاً في علاقته مع إسرائيل والغرب، ولم يكن باطنياً يتعامل معهم من تحت الطاولة، ثم يخرج للناس بثوب بطل عربي أو قائد ديني مظفر!

أما اليوم فلو خرج علينا بطلٌ حرَّرَ أرضَهُ وهزمَ إسرائيلَ سنقفُ معه ونفرح له، ولكن سوف نعتذر إليه إن قال بأنه حطم أُسطورة (جيش إسرائيل الذي لا يهزم)، وربما يقول له قائل: ألستَ من سكان الأرض؟ لقد سبقك إلى ذلك السادات في سبعينات القرن الماضي!





علي سويدان

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي