علي سويدان / أخيراً... فهمتْ يا وديع!

تصغير
تكبير
كل مَنْ اغتصب شيئاً واستباح حُرمتَه فلن يهنأ به وستدور الأيام عليه ويشرب من الكأس نفسها؛ فمن أخذ أرضاً ليست له عُنوةً وشرَّد أهلها واستباح ثرواتها فلن يهنأ بها مهما طالت الأيام أو قصرتْ، ولن يكون شجاعاً أبداً في دفاعه عن نفسه فيها لأنها ليست أرضه وسرعان ما ينهزم أمام مَنْ يُهاجمه، هذا إن هاجمه أحد، أما إن لم يهاجِمْهُ أحد فسيبقى يسرح ويمرح كالفأر في غياب القط، أذْكرُ قصة أخبرنا بها معلمُ اللغة العربية في المدرسة يوم كنتُ تلميذاً في الصف الثامن قال: (كنتُ ممن شارك في حرب عام 1973م في الجيش المصري حين اخترق خطَّ بارليف، وبعد أن عبرنا إلى سيناء وقطعنا مسافة ليست قليلة، جلسنا وأفراد الكتيبة نأخذُ قسطاً من الراحة ونتناول وجبة من الطعام، وكنت وثلاثةٌ من زملائي نأكلُ داخل الدبابة فإذا بصراخ ونداء يفيدُ أنكمْ محاصرون اخرجوا من الدبابة وارموا أسلحتكم، كان النداء من مجموعة من الجنود الإسرائيليين قد حاصرونا، وحصل ذلك وخرجنا نرفع أيدينا عالياً لكنَّ أحد زملائي من صدمة الموقف وارتباكه خرج من الدبابة وبقي مُمْسِكاً علبةَ سردين رفعها بيده إلى أعلى، وكانت المفاجأة حين ذُعر الجنود الإسرائيليون من علبة السردين التي بيده حين خرج، فرمى اثنان منهم أسلحتَهما ظنّاً أنها قنبلة أو غير ذلك، فرمى بقيةُ الإسرائيليين أسلحتهم فانقضَّ بعضُ زملائي عليهم بما قَرُبَ من سلاح وطوَّقناهم وكانوا أسرى). من تلك الأيام يوم اخترق الجيش المصري خطَّ بارليف وعبر إلى سيناء سقطت أُسطورة أن لإسرائيل جيش لا يهزم، وليس اخيراً على يد «حزب الله» في الجنوب اللبناني، مع كل الاعتراف بما قدمت المقاومة في لبنان من بسالة وتضحيات لا تقارن بمواقف الجيوش العربية! الحصار على غزة لم يأْتِ من إسرائيل تجاه غزة كما نرى ونسمع في الإعلام العربي والعالمي، لأن التسلط الذي تمارسه إسرائيل تجاه غزة وغيرها من الأراضي العربية المحتلة إنما تسلط منحناه نحن العربُ لإسرائيل على طبق من فضة، فحينما نغيبُ عن قضايانا ونقف مكتوفي الأيدي تجاهها بالتأكيد سوف يتصدر لها كلُّ صاحب مصلحة في تلك القضية وكلٌّ يجذبُ قضيَّتَنا باتجاه مصلحتهِ، بينما تُقَطِّعُ إسرائيلُ قضيَّتنا إلى جُزيْئات! إن المصالحة المرجوَّة بين الأشقاء الفلسطينيين هو أول خطوة يجبُ على العرب السعي إليها لفك الحصار عن غزة، واتجاه الفلسطينيين أنفسهم نحو التنازل عن مصالحهم الحزبية من أجل مصلحة الوطن المحتل أوْلى من التعنتِ والزج بالناس والمدنيين في مواجهة غير متوازنة مع إسرائيل، ليس منا من ينكر جُبن المغتصبين للأرض، لكن انتصار أصحاب الحق يحتاج إلى قوة حقيقية تبدأُ بقوة الفهم للأحداث بعيداً عن (العبط) السياسي الذي نمارسه في تصريحاتنا أو مواقفنا حيال ما يحدث، ثم تأتي قوة الردع التي تُذيق الخصم ويلات احتلاله للأرض، لا أن نحقن قضيةَ وطنٍ محتل وشعب مشرد في مسألة حصارٍ مفتاحُ حلِّها في كفِّ المصالحة بين الطرفيْن المتنازِعيْن في فلسطين، لذلك كان إعلان تركيا وليس العرب! أنها ستسعى لتحقيق المصالحة بين «فتح» و«حماس» اخيراً هو مربط الفهم في حل المشكلات، لا بتسيير قوافل حرية مدنية لتواجِهَها آلةٌ عسكرية! إن الإعداد الحقيقي لمواجهة الغطرسة الإسرائيلية إنما يكون بفهم حقيقي لنقاط ضعف إسرائيل؛ ولا أضعفَ من إسرائيل حين نكون يداً واحدة.





علي سويدان

كاتب وأكاديمي سوري

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي