خيرالله خيرالله / مخاطر التركيز على غزة وحدها

تصغير
تكبير
بالمفهوم السياسي، تبدو الجهة التي تقف وراء عملية «اسطول الحرية» الذي كانت سفنه تنقل مساعدات انسانية إلى غزة موفقة في ما فعلته. كان الرهان رابحاً في كل الأحوال. لو وصلت تلك المساعدات إلى القطاع لكان في استطاعة الجهة المنظمة للرحلة إعلان نجاحها في فك الحصار الظالم الذي تتعرض له غزة وأهلها. الآن، وبعدما مارست إسرائيل إرهاب الدولة واعترضت السفن وقتلت من قتلت واعتدت على من اعتدت، حققت الجهة المنظمة نجاحاً من نوع آخر بجعلها العالم يقف، ربما للمرة الأولى، في وجه السياسة التي تمارسها حكومة بنيامين نتانياهو بدعم داخلي واضح من وزير الدفاع ايهود باراك زعيم «حزب العمل»، الحزب الثالث في إسرائيل بعد «ليكود» و«كاديما». أكثر من ذلك، اضطر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إلى الدعوة إلى فك الحصار عن القطاع، معلناً بشكل مباشر أن إسرائيل دولة خارجة عن القانون. ربما كان ما ذهب إليه بأن يمثل أقصى ما يستطيع أن يفعله شخص في موقعه عليه أن يوفق بين مواقف مئة واثنتين وتسعين دولة أعضاء في المنظمة الدولية.

ربح منظمو عملية «أسطول الحرية» الجولة نظراً إلى أنهم راهنوا على أن إسرائيل ستخرج خاسرة من أي مواجهة مع مجموعة غير مسلحة، كما أنها ستخسر في حال السماح لأفراد هذه المجموعة بفك الحصار عن غزة. كشفت إسرائيل أنها دولة لا تمتلك مشروعاً سياسياً قابلاً للحياة على علاقة بالعصر من قريب أو بعيد. وهذا يعني في طبيعة الحال أن السؤال المطروح الآن كيف البناء على ما تحقق، بما في ذلك على تدهور العلاقات التركية- الإسرائيلية بما يساعد في تحقيق الحلم الفلسطيني المتمثل في إقامة الدولة المستقلة التي عاصمتها القدس الشرقية. هل من مشروع آخر يمكن أن يفكر فيه الفلسطينيون في ظل موازين القوى القائمة حالياً في العالم والمنطقة في حال كانوا يريدون التعاطي مع الواقع وليس مع الأوهام؟

من السهل الاكتفاء بالانتصار الذي تحقق، والذي دفع ثمنه تسعة مواطنين من تركيا قاوموا بأجسادهم العارية الجنود الاسرائيليين الذين اعترضوا سفن «اسطول الحرية». لا شك أن أمير دولة قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني كان أول من التقط معنى الرسالة بفضل حسه السياسي المرهف ومعرفته العميقة بأحوال المنطقة والتوازنات السائدة إقليمياً، فتوجه إلى تركيا للقاء رئيس الوزراء فيها رجب طيب أردوغان، والبحث في الخطوات المستقبلية وتعزيته بالشهداء الذين سقطوا من أجل رفع الظلم عن أهل غزة.

جاءت الجريمة التي ارتكبتها إسرائيل لتؤكد أن تحولاً تاريخياً طرأ على السياسة التركية التي لعبت دور رأس الحربة في السعي إلى فك الحصار عن غزة. ولكن لابدّ في الوقت نفسه من التفكير في المستقبل، وفي أن إسرائيل غير مهتمة بالسلام وبالدور التركي، وأن كل ما تريده هو تكريس الاحتلال لجزء من الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية. قالت إسرائيل بوضوح أن كل همها محصور في متابعة حصارها لغزة من جهة، وتفادي الدخول في أي مفاوضات جدية على أسس واضحة مع الفلسطينيين من جهة أخرى. تستخدم إسرائيل غزة للهرب من الاستحقاق الحقيقي المتمثل في تحقيق تسوية تستند إلى قرارات الشرعية الدولية ومبدأ الأرض في مقابل السلام. هل هناك وعي عربي لمخاطر التركيز على غزة بدل البحث في كيفية معالجة القضية الفلسطينية ككل؟

من هذا المنطلق، يبدو أفضل ردّ على ما ارتكبته حكومة نتانياهو انخراط جميع الفلسطينيين في المشروع السياسي لـ «منظمة التحرير الفلسطينية» الذي يقوم على خيار الدولتين والاستفادة في الوقت ذاته من الدعم التركي لهذا المشروع الذي يحظى بدعم المجتمع الدولي. سيتبين عاجلاً أم آجلاً هل يمكن اعتبار تركيا طرفاً جدياً يمكن الاعتماد عليه أم لا...

كي لا تذهب دماء الشهداء الذين سقطوا من أجل فكّ الحصار عن غزة هباء، لا مفر من البحث في كيفية الاستفادة من الدعم التركي وتوظيفه في مصلحة القضية الفلسطينية. ان ثقل تركيا لا يعود إلى انها عضو في حلف شمال الأطلسي وأنها تحتل موقعاً استراتيجياً لا غنى للحلف عنه فحسب، بل هناك أيضاً حاجة أميركية دائمة إلى تركيا. هل من يريد ان يتذكر أن الولايات المتحدة دعمت دائماً انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي وأنها اعترضت بشدة على الموقف الفرنسي المعارض لذلك؟ ثمة موقع خاص لتركيا في إطار الاستراتيجية العسكرية والسياسية للولايات المتحدة. لماذا لا يستفيد العرب والفلسطينيون من هذا الموقع بدل الاكتفاء بالتصفيق لرئيس الوزراء التركي على مواقفه الأخيرة من غزة والقدس والقضية الفلسطينية عموماً؟

ما يفترض ألا يغيب عن بال أي عربي أو فلسطيني أن حصر إسرائيل القضية في حصار غزة ليس مفيداً. تستطيع حكومة نتانياهو الادعاء في كل لحظة أن هناك ما يبرر الحصار، خصوصاً أنها انسحبت، من جانب واحد، من القطاع صيف العام 2005 وفككت المستعمرات التي أقامتها في غزة... ورغم ذلك، استمر إطلاق الصواريخ كما لا يزال في الأسر داخل غزة نفسها، منذ يونيو 2006، جندي إسرائيلي يدعى جلعاط شاليط.

تقضي المصلحة في تفادي السقوط في اللعبة الإسرائيلية والتركيز بدل ذلك على القضية ككل، أي على كيفية زوال الاحتلال عن الضفة الغربية، وانهاء الحالة الشاذة المتمثلة في وجود كيانين فلسطينيين أحدهما في الضفة والآخر في غزة لكل منهما حكومته وأجهزته الأمنية. متى حصل ذلك، تصبح السياسة العدوانية الإسرائيلية كلها محاصرة. عندئذ، ينقلب السحر على الساحر. ولا شك أن الثقل التركي سيكون له دوره في إزالة بعض الظلم التاريخي اللاحق بالشعب الفلسطيني وليس بأهل غزة وحدهم. المسألة مسألة وقت فقط يظهر بعدها هل الرهان على تركيا في محله، أم كل ما في الأمر أن العرب يبحثون عن بطل ليس إلاّ.





خيرالله خيرالله

كاتب لبناني مقيم في لندن
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي