علي سويدان / لا طفرة... ولا وفرة!

تصغير
تكبير
التعليم والطبابةُ أَوْلى أولويات الناس في أي مجتمع؛ فإذا دفع الإنسان من ماله ليحصل عليهما ثم لم يحصل على التعليم الحقيقي لأبنائه، وخسر رعاية صحية يتوقع الحصول عليها مقابل ما بذل من مال، فسوف يموتُ الولاءُ في قلبه لذلك المجتمع، هذا إنْ لم ينحرف به الطريق إلى سلوك غير سوي؛ نعم عندنا فقط نحن العرب حين ينجح مستثمر في إنشاء مدرسةٍ خاصة مثلاً وبمعاييرَ ينص عليها القانون ويتابعها المختصون في الميدان وليس على الورق، يتسابق كثيرون لفتح مدارسَ خاصة ونسمح لهم بذلك ولكن للأسف في غيابِ الرقابة الحقيقية والكشف الميداني على منشئات تلك المدرسة، ودون متابعة دقيقة لإجازة كوادرها! وحتى لو كانت تلك المدارسُ بلا ملاعب، أو ساحات كافية تسمح بحركة الطلبة، فإننا نوافق بلا مبالاة على الترخيص لها، وقاعات الدراسة ضيِّقة فيها كعُلَبِ السردين! وحين يقرر مستثمر آخر أن يفتتح مركزاً طبيّاً متكاملاً سينتكس حظُّه لأنَّ عدداً هائلاً من المستثمرين سيهجمون كفريقٍ لكرة القدم لاستثمار أموالهم في المراكز الطبية! وهكذا... وهكذا، لكن المحصلة واحدة: لا شيء؛ كثيرة هي استثماراتُنا، ومُستنسخة أنشطتُنا وأفكارُنا، فلا نهضة تتقدم بها أوطاننا، ولا ربحاً مادياً نجنيه لأنفسنا! وكل ذلك من وراء انجرافنا في دوامة التقليد دون وعي والالتفاف بالحيلة على القانون، والخاسر في نهاية المطاف: نحن واقتصادُنا! إن تأمين اقتصاد ثابت ينعم به الناس ويتألق به الوطن أمر لا يمكن توافره إن أهملنا الرقابةَ على المشاريع في قطاعاتنا الخاصة؛ فحين يُفتح باب التنافس في مجال ما في القطاع الخاص يلزم ذلك صرامة في تطبيق معايير الجودة المطابقة للشروط العالمية، وليس صحيحاً أن يُفتح باب المشاريع في القطاع الخاص في أي بلد عربي على مصراعيْهِ؛ فلا يرى المستهلك أو المستفيد إلا تسلطاً واستغلالاً من المستثمرين في غياب رقابة حقيقية على تلك المشاريع أو تلك المنشئات! إن بلادنا العربية اليوم تمر بمرحلة مهمة تقف فيها على مفترقٍ بين طريقين، فإما تخطو نحو الالتحاق بركب العالم المتقدم لنيل حقوقها في الطبابة والتعليم والعيش الكريم، وندفع كما الشعوب كلها مالاً مقابل حصولنا على التعليم والرعاية الطبية وما تتطلبه الحياة من ضرورات، دون تمييعِ الأمور بين مجانيةٍ تُقدِّمها بعضُ الدول لشعوبها بيدٍ ثم تأخذُها منهم بيدٍ أخرى! أو سنغرق بين استغلال المنفردين في قطاعاتنا الخاصة من جانب وإهمال القطاعات العامة والقائمين عليها في متابعة شؤون الفرد من جانب آخر، وكل ذلك يقود مجتمعاتنا وبلادنا العربية إلى مزيدٍ من الانحدار وعدم الاستقرار؛ إن تقدُّمَنا اقتصادياً واستمرار التقدم على وتيرة ثابتة أمر يرتكز على جانبٍ قِيَمِيٍّ فضلاً عن اعتماده على جانب فكري وسياسي، غير أن الجانب الذي نحن بصدد الاهتمام به هو الجانب الأخلاقي المتمثل أولاً بالوفاء للوطن والأمة، ومرتكزاً على إخلاصٍ في تبني الأفكار والمشروعات وإدارتها، بعيداً كل البعد عن استنساخ المشاريع بشكلها دون مضمونها، مستحضرين رقابةً ذاتية تعود بالنفع على الجميع، وملتزمين بمعايير الجودة في كل شأن من شؤون النشاط الاستثماري بمختلف أنواعه، حينها فقط يمكننا أن نواكب العالم شكلاً ومضموناً وليس بالمظاهر وأشكال التمدن في البناء والوسائل المختلفة والخدمات، لقد أصبحنا في مرحلة سيلفِظُنا العالَمُ بعيداً عنه إنْ لم نأخذ بمعايير الجودة إتقاناً للعمل واحتراماً لحقِّ الإنسان في الحياة الكريمة ومتطلباتها، لقد طفا كُلُّ شيء على السطح، فلا طفرة اقتصادية... ولا وفرة مادية!





علي سويدان

كاتب وأكاديمي سوري

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي