علي سويدان / حين ترقص ناطحات السحاب!

تصغير
تكبير
هناك في اليابان تتمايلُ ناطحات السحاب بِتِقَنِيَّةِ بنائها حين تضرِبُها الهزّاتُ الأرضية، في حين تغرق عندنا البيوتُ وتسبحُ السياراتُ في الشوارع إن استمر نزول المطر يوماً وليلةً! ثم نتبجَّحُ في قدرتنا على مواجهة إسرائيل وأنها دولة إلى الزوال كما صرح الرئيس الإيراني أكثر من مرة! هل يُقبلُ عقلاً أو عُرفاً اليوم أن تقوم دولة أوروبية باحتلال أراضٍ عربية بدعوى أن لأجداد الأوروبيين من (الرومان) أمجاداً وحضارة يريدون استردادها، وهل يسكتُ العالَمُ لو طالبتْ مصرُ بضمِّ جنوب الأردن إليها بدعوى أن للفراعنة تاريخاً في البتراء وغيرها، وهل قَبِلَ العالَمُ من العراق حين زعم أن له في الكويت حقّا تاريخيا؟ كلها أسئلة إجاباتها كلمة واحدة وهي (لا)، والعجيب بل كل العجب أنَّنا جميعاً بني البشر في محصِّلة الأمر قَبِلْنا إسرائيلَ دولةً دينية زَرعتْ أوتادَها عندنا بدعوى أنَّ لها تاريخا دينيّا في أرضِ فلسطين، كما سكتنا تماماً عن احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث!

إن نشأة الدول وتقدمها واستمرارها ثم ضعفها واندثارها أمر يعود لتوفُّر سياسة العدل فيها أو فقْدِ تلك السياسة، ولذلك نُسَمّيها (دول) وهو تداول السلطة والحكم، فهي مُتداولَة بين بني البشر من قوم إلى قوم، ومن جيل إلى آخر، وأساس بقاء الدول واستمرار مجدها مرتبطٌ بسياسة العدل الذي تمارسه في شؤونها المختلفة تجاه الناس، وتجاه شتى القضايا والمواقف التي تمر بها، شعارات (زوال إسرائيل من الخريطة، وإسرائيل دولة إلى الزوال)... تذكرنا هذه الشعارات بنداءات الزعيم جمال عبد الناصر حين كان يقول بأنه (سيمحو إسرائيل من الخريطة)، ثم ترك عبدُ الناصر مصرَ غارقةً لمن بعدَهُ بعد أن أنهك مصر بحرب مع اليمن استمرت خمسة أعوام! نحن نعلم علم اليقين أنه ليس في الدولة العبرية إسرائيليٌّ واحد يموت جوعاً أو يخاف على أبنائه من تدني مستوى المعيشة أو مستوى التعليم أو لا يجد لهم تأميناً صحياً حقيقياً! بل تُشير الإحصاءات الى أن فلسطينيي مناطق الـ 48 أفضل حالاً حتى من الفلسطينيين في الشتات، بل أن الضفةَ الغربية عندما كانت تحت الاحتلال الإسرائيلي كانت إسرائيل توفر المواد الغذائية والخبز للناس دون عناء منهم، بينما ساءتِ الأحوال منذ تسلُّم العرب للضفة في عهد الوصاية الأردنية، ثم الطامة الكبرى في عهد الحكم الذاتي والطامة الأكبر في عهد حُكْمٍ في الضفة وآخر في قطاع غزة! بالله عليكم كيف يمكن لدولة مثل إيران أو أي دولة عربية أن تدخل حرباً مع إسرائيل وفيها جائعون يرفعون أَكُفَّهم إلى السماء بالدعاء على مَنْ ظلمهم من أبناء جلدتهم؟

حين حكم العربُ بالعدل وأمَّنوا حاجات شعوبهم وصار الناس جميعاً سواسية أمام الحاكم كأسنانِ المشط، وصلت سيادتهم إلى أسوار الصين شرقاً وإلى جنوب فرنسا غرباً وشمالاً، وحين اختاروا غير طريق العدل عاد العرب دويلاتٍ حتى يومنا هذا، وانجلترا حين قامت بها الثورة المجيدة في القرن السابع عشر الميلادي التي تدعو إلى حرية التعبير واسترداد كرامة الإنسان وأن الحكم للمَلِكِ مستمد من الشعب وليس من السماء، صارت انكلترا بذلك وفيما بعدُ الإمبراطوريةَ التي لا تغيبُ عنها الشمس وحين تنكَّبتْ العدل وظلمتِ الناس واحتلَّتْ بلادَهم خسرت مُلْكها على العالم. أنها مسألة سهلة الفهم يُدركها العقل بأبسط جهد، لكننا نتجاهل قدراتنا من جانب وربما نجهل فلسفة العلاقة مع الآخر من جانب آخر، لستُ أدري كيف يمكن لدولة أن تنتصر في حربها مع إسرائيل بينما رأينا فيها بيوتَ الناس وهي تسقطُ مع أوَّل هزة أرضية بسيطة، في حين ترقصُ ناطحاتُ السحاب في اليابان بتِقَنِيَّتِها لِتُخَفِّفَ من هزاتها الأرضية!



علي سويدان

كاتب وأكاديمي سوري

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي